في الشمال من مدينة حلب شمال سوريا، حيّان صغيران متجاوران تقطنهما مكوناتٌ متنوعةٌ بغالبيةٍ كردية، لهما مواقفهما السياسية والحقوقية، ابتداءً من عام ألفين وأربعة مروراً بـ2011 ووصولاً إلى يومنا هذا، حيث يخوض الحيّان مقاومةً مستميتةً إزاء هجماتٍ عنيفة، من قبل فصائلَ مسلحةٍ تابعة للحكومة الانتقالية ومدعومةٍ من الاحتلال التركي.
الكُرد في الحيين ينحدرون من القرى الكردية في محيط حلب وعفرين وكوباني، سكنوا حيي الشيخ مقصود والأشرفية منذ عقود، من أجل العمل والدراسة، إذ لطالما كانت المناطق الكردية مهمشةً من قبل نظام البعث، هذا النظام الذي حاول قمعَ الكرد بإحداثِ فتنةٍ عربيةٍ كردية عام 2004، لينتفض الشارعُ الكردي بأكمله في سوريا، مطالباً بحقوقه في الهوية والتمثيل، متحدّياً أسلحةَ النظام بصدرٍ عارٍ، فقدّم عشرات الضحايا ومئاتِ المعتقلين قرباناً لمطالبه الوجودية، وكان لكرد حيي الشيخ مقصود والأشرفية مشاركتهم الفاعلة في الانتفاضة.
في 2011 عندما انتفض السوريون مطالبين بالحرية وإسقاط النظام الديكتاتوري، سارع الكرد إلى الانضمام للحَراك، ليجددوا مطلبهم في 2004 مرةً أخرى، ويشدُّوا على أيدي أخوتهم من المكونات السورية لنيل حريتها، فكان لحيي الشيخ مقصود والأشرفية حضورهما القوي مرةً أخرى، وعندما تحول الحّراك إلى العسكرة والسلاح، اتخذ الحيان قرارَ الإدارة الذاتية بتنظيم وحداتٍ خاصةٍ للحماية وفرض الأمن والاستقرار.
في 2012 حافظ الحيان على كيانهما وقرارهما في الإدارة، كتلةٌ واحدة ترفض سيطرة الفصائل الإرهابية التابعة لتركيا، وترفض سيطرةَ جيش النظام السابق، فنظمت حصناً منيعاً من أبنائها الذين تمترسوا في محيط الحيين، لمواجهة القصف وخوض الاشتباكات منعاً من تقدم الجهات المعادية لها.
ساند الأهالي أبناءهم وبناتهم المقاتلين بتقديم الطعام والدواء وتنظيم الحياة داخل الحيين، وقدّم الحيان خلال تلك المقاومة حياةَ جَوقةٍ من مقاتليه.
في 2014 كان الحيان حاضنةً لاستقبال الأُسر والعائلات النازحة من كوباني إبان هجوم تنظيم داعش الإرهابي، وفي 2018 استقبل الحيان عائلاتٍ مهجرةً قسراً من عفرين، عندما هاجمها الاحتلال التركي والفصائل الإرهابية التابعة له، فتحوّل الحيّان منذ ذلك الحين إلى ملاذٍ آمن للمهجرين قسرًا من الكرد.
مع سقوط نظام بشار الأسد في أواخر 2024، وقّع مجلسُ حيي الشيخ مقصود والأشرفية مع الحكومة الانتقالية، اتفاقيةً في الأول من نيسان، تنصُّ على الحفاظ على خصوصية إدارة الحيين من قبل أبنائها، لكن الفصائلَ التابعة للاحتلال التركي بقيت مُتمسكة بسلاحها الثقيل، لتحاصر الحيين وتحاول فرض سيطرتها عليهما، فبدأت في السادس من كانون الثاني/ يناير الجاري هجوماً فعلياً بالأسلحة الثقيلة على الحيين، عندما التمست من البياناتِ الصادرة عن المجلس رفضَ الأهالي تسليم مناطقهم وإصرارهم على ممارسة حقهم في إدارة أنفسهم، في خرقٍ لاتفاقية نيسان المبرمة بين الطرفين.
انتفض الكرد من مختلِف أنحاء العالم رفضاً لمحاولات التهجير القسري، ودعماً لإرادة أهالي الحيين المستمرة إلى اليوم، بعد أن أعلنوا النفير العام ورفضوا التهجير القسري، على غرار ما حصل مع أهالي عفرين ورأس العين/ سري كانيه، وكري سبي/ تل أبيض حيث تمت سرقةُ ممتلكاتهم وتقاسُمُها بين عناصر الفصائل الإرهابية التابعة للاحتلال التركي، ليبقى أهلُها نازحين داخل المخيمات في شمال وشرق سوريا إلى اليوم منتظرين العودة.
