عقود من الاستبداد والاضطهاد عاشها السوريون في ظل حكمي الأسد الأب والابن اللذين حكما البلاد بقبضة حديدية، عبر فرض أيديولوجيا البعث ذات اللون الواحد ومصادرة الحريات وممارسة انتهاكات واسعة النطاق حتى باتت سوريا تعرف بمملكة الخوف، وهذه كلها أمور تثير مخاوف السوريين اليوم بعد سقوط نظام الأسد، من استنساخ نظام استبدادي بآخر يختلف عنه في الشكل فقط.
وصول هيئة تحرير الشام وفصائل أخرى إلى هرم السلطة نهاية العام الماضي، أشاع حالة من الارتياح لدى بعض السوريين لسبب وحيد، أنهم تخلصوا من نظام قمعي متسلط، لكن لم يستغرق الأمر طويلاً كي “تذهب السكرة وتأتي الفكرة” كما يقال فالآليات التي اتبعتها السلطات الجديدة بشأن التعامل مع الحالة السياسية لم تكن مشجعة، وما أسموه بمؤتمر الحوار الوطني شاهد على ذلك وقبلها تعيين شخصيات سورية وأجنبية ذات فكر متقارب في مناصب قيادية وغيرها من الإجراءات والقرارات التي لا تراعي التنوع العرقي والثقافي والديني في سوريا.
واليوم يؤكد مراقبون أن الحل الأمثل لسوريا الجديدة يكمن في نظام الحكم اللامركزي بهدف المحافظة على الوحدة الوطنية وعودة الثقة تدريجياً بين الحاكم والمحكوم في هذا البلد.
سنوات عجاف مرت على سوريا في ظل الأنظمة القمعية، دفعت بكثير من السوريين لطرح مقترح الحكم اللامركزي للحفاظ على الحريات الفردية وتعزيز الروح الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والأهم من كل هذا الحفاظ على وحدة البلاد من شبح التفكك الذي بدأ يطل برأسه.
وبحسب مختصين فإن قوانين اللامركزية الإدارية لا تتضمن ما بين بنودها أي إشارة إلى الانفصال عن الوطن الأم، وعليه فإن سيل الاتهامات الموجهة للمطالبين بعدم العودة لحكم المركز مجدداً، لا تصب في مصلحة سوريا بالمقام الأول.
تجربة توصف بالناجحة في شمال وشرق سوريا، يقول مراقبون إنها جديرة بالتطبيق في عموم سوريا، حيث تتم إدارة شؤون المنطقة ذاتياً بما يراعي خصوصية كل مكون من كرد وعرب وسريان آشور وغيرهم من المكونات، وبما يرسخ قيم الديمقراطية والتعايش السلمي المشترك الذي تفتقده سوريا في كثير من مناطقها.
وعلى أي حال فإن التجارب حول العالم التي تثبت نجاح الحكم اللامركزي كثيرة، ونظام الولايات المتبع في عدة دول بأوروبا وأمريكا وحتى آسيا، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن العودة للحكم المركزي يعني فتح الباب واسعاً أمام انهيار وحدة سوريا، وهذا ما تخشاه القوى الوطنية السورية التي يهمها مصير بلادها.
