بين الشرق والغرب يتقلّب رئيسُ النظام التركي رجب أردوغان بموقف بلاده إزاءَ كثيرٍ من الملفات الهامة، لكن سياسة اللعبِ على جميع الحِبال باتت مغامرةً محفوفةً بالمخاطر، فإحدى القفزاتِ غيرِ المَحسوبة قد تقطع حبلاً من وصال الضرورة، وتُسقِطُ صاحبها في براثن أزماتٍ طالما لعب على تناقض مواقفِ أطرافها.
أزماتٌ لعلّ أبرزها الحربَ الأوكرانية، التي أفرزت معادلاتٍ جديدةً بات من الصعب قبول الاصطفافات الضبابية حولها، ليس أقلها الموقفُ من انضمام السويد بعد فنلندا المجاورتين لروسيا إلى حلف شمال الأطلسي الناتو، على الرغم من فيتو تركيٍّ سابقٍ تداعى تحت وطأة بعض الضغوط الغربية، وأمامَ قليلٍ من الإغراءات المالية والسياسية التي يطمح أردوغان أن تكون له طوقَ نجاةٍ من مآزقه الداخلية.
لعب أردوغان على تناقضات الحرب الأوكرانية بات مكشوفاً لروسيا
نهجُ أردوغان الجديد وضع علاقاته مع الكرملين على المحك، إثر شهورٍ طويلةٍ من المواربة والاستثمار في تداعيات الحرب الأوكرانية على روسيا وأوروبا في آن معاً، فبعد قبوله انضمامَ السويد في الفترة ذاتها من استقباله الرئيسَ الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وقادةً بارزين بكتيبة آزوف الأوكرانية اليمينية، لم يعد بإمكان أردوغان اللعبُ على وتر الاحتياجات الروسية، متناسياً هشاشة أوضاع بلاده الاقتصادية.
مسار التطبيع بين أنقرة ودمشق وتفاهمات أستانا مهددة بالتوتر الروسي التركي
وللوضع السوري في هذه المعادلةِ خصوصيةٌ أخرى، قد لا تسير هذه المرة كسابقاتها وَفق أهواء أنقرة، فتفاهماتها مع موسكو وَفق محادثات أستانا وصفقاتها أصبحت في مَهبِّ ردِّ الفعل الروسي على الاستدارة التركية نحو العمق الغربي، وهو ما يَظهر في بوادرِ تصعيدٍ عسكريٍّ يلوح في أفق الشمال الغربي من سوريا، لا بدّ وأن يُلقي بظلاله على مسار التطبيع، الذي ترعاه موسكو بين أنقرة ودمشق.
رد الفعل الروسي، بحسب مراقبين، متوقفٌ على استشراف حقيقةِ الموقف التركي، فيما إذا كان تكتيكاً هدفُهُ ابتزازٌ آنيٌ للغرب من بوابة حلف شمال الأطلسي، أو استراتيجيةً تُعيد البلاد إلى الفَلك الغربي، طلباً للنفوذ السياسي والدعم المالي، وفي الحالة الأخيرة فإن موسكو على الأقل في الشمال السوري لن تتساهل مرةً أُخرى مع أجندات أنقرة، ولن تستمر بلعب دور المُتفرّج على بقاء الفصائل الإرهابية التابعة للاحتلال التركي، دون تحرّكٍ حتى وإن كان هدفُهُ إعادة التفاوض بين الطرفين على تفاهماتٍ مختلفة.
إعداد وتحرير: ضياء التمر
