في الثالث من آب من كل عام، تدقُّ نواقيس الألم في ذاكرة الإنسانية، من جراء حصول واحدةٍ من أكثر الجرائم وحشيةً في القرن الحادي والعشرين، عندما اجتاحَ تنظيمُ داعش الإرهابي قضاء سنجار، مستهدفا المكون الإيزيدي، في حملةٍ ممنهجة هدفت إلى اقتلاع جذوره، في مشروع إبادةٍ استُخدمت فيه أبشع أساليب القتل الجماعي والاختطاف والاستعباد والتهجير القسري.
خلال أيام قليلة، تحولت القرى والبلدات إلى ساحات للمجازر، فيما اضطر عشرات الآلاف من المدنيين، إلى الفرار نحو جبل سنجار، حيث واجهوا العطش والجوع والحرارة القاسية، في مشهدٍ شكل وصمة عار في جبين الإنسانية.
اثنا عشر عامًا مرّت، لكن الذاكرة ما تزال تنبض بأسماء الضحايا، وبقصص الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، والأطفالِ الذين سُرقت طفولتهم، والنساء اللواتي تحوّلن إلى رمزٍ للصمود، بعد أن واجهن أبشع أشكال الانتهاكات.
تلك الجرائم قوبلت باعترافٍ دولي واسع كإبادة جماعية، بعد أن أثبتت التحقيقاتُ أن التنظيم استهدف الإيزيديين على أساسٍ ديني، بقصد القضاء عليه كليًا أو جزئيًا. وأسهمت شهاداتُ الناجين والناجيات، في كشف حجم الانتهاكات، وتحويل القضية إلى ملف إنساني وقانوني عالمي، يدعو إلى محاسبة الجُناة وإنصاف الضحايا.
ولا تزال مجزرة سنجار، تكتب فصولها من خلال أرشيفٍ إنساني وقانوني، يتّسع عامًا بعد آخر. فمع كل مقبرة جماعية تُكتشف، تنبعث من باطن الأرض شهادةٌ جديدة توثق حجم الجريمة. وتحولت تلك المقابر إلى أدلةٍ دامغة تحفظ الذاكرة الجماعية، وتدعم مسار العدالة الدولية، وتؤكد أن الحقيقة، مهما طال الزمن، لا يمكن أن تُدفن مع أصحابها.
وفي البعد الإنساني، أصبحت مجزرة سنجار رمزًا عالميًا لرفض الإبادة الجماعية، والدفاع عن حرية المعتقد، وصون كرامة الإنسان. ففي كل عام، يتجدد الوعد بأن تبقى هذه الجريمة حاضرةً في الذاكرة الإنسانية، حتى تتحول الذكرى إلى قوةٍ تمنع تكرار المأساة في أي مكانٍ من العالم.
ويبقى ذلك اليوم شاهدًا على صفحةٍ مؤلمة من التاريخ، لكنه في الوقت نفسه رمزٌ لصمود الإيزيديين، وإصرارهم على الحياة، وتمسكهم بأرضهم وهويتهم، وإيمانهم بأن العدالة، مهما تأخرت، تظل حقًا لا يسقط بالتقادم.
