تعد مجزرة حلبجة، التي ارتكبها نظام صدام حسين في 16 آذار من عام 1988 ضد سكان مدينة حلبجة في إقليم كردستان، من أكبر المجازر التي نُفذت بالأسلحة الكيميائية في التاريخ.
جاء الهجوم على حلبجة في إطار حملة الأنفال أو الإبادة العرقية التي نفذها جيش نظام صدام حسين ضد الكرد في مناطق واسعة من العراق. ووقع الهجوم بعد ثمانٍ وأربعين ساعة من تحرير المدينة على يد قوات كردية

وقد خلص تحقيق طبي أجرته الأمم المتحدة إلى استخدام غاز الخردل في الهجوم إلى جانب مهيجات عصبية أخرى مجهولة الهوية.
[lazy-load-videos-and-sticky-control id=”X3n_PF89-28″]
راح ضحية المجزرة نحو 5000 قتيل و10000 جريح. وقد أظهرت النتائج الأولية من الدراسات الاستقصائية للمنطقة المنكوبة زيادة في معدل الإصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية في السنوات التي تلت الهجوم.

بعد سقوط نظام صدام حسين اعتُبرت مجزرة حلبجة رسمياً من قبل المحكمة الجنائية العراقية العليا بأنها إبادة جماعية بحق الشعب الكردي في العراق في عهد صدام حسين، وأدين ابن عم صدام حسين ووزير دفاعه (علي حسن المجيد) بتهمة إصدار الأوامر بالهجوم، وأعدم في وقت لاحق في عام 2010.
سياسات نظام صدام حسين
تولى صدام حسين المجيد- الذي كان عضواً قيادياً في حزب البعث ذي التوجهات القومية ونائباً للرئيس العراقي- حكم العراق رسمياً في عام 1979 بُعيد الإطاحة بالرئيس أحمد حسن البكر، وفي غضون عام واحد أزاح بطريقة دموية كل معارضيه ومنافسيه في حزب البعث وفي المفاصل الرئيسية للدولة العراقية، وسرعان ما دخل حرباً مع إيران في أعقاب سيطرة الخميني على مقاليد الحكم هناك.

وكان نظام حزب البعث العراقي قد نفذ بعد انهيار ثورة مصطفى بارزاني في عام 1975حملات تعريب وتدمير للقرى الكردية واسعة النطاق وخاصة في مناطق كركوك وخانقين، كما انتهز صدام حسين سنوات الحرب مع إيران التي دامت لثماني سنوات (1980- 1988) لارتكاب حملات الإبادة العرقية المنظمة ضد الكرد في مساحات واسعة من العراق تحت اسم حملة الأنفال والتي راح ضحيتها قرابة مئتي ألف قتيل وتهجير أكثر من مليون شخص من قراهم ومدنهم إلى جنوب ووسط العراق، والهدف الرئيسي لتلك الحملات التصفية الجسدية لعدد كبير من الكرد وتقليل نسبتهم وتشتيتهم في العراق ومنعهم من الحصول على مكاسب سياسية وإدارية في البلاد. ويندرج ارتكاب مجزرة حلبجة في سياق تلك الأهداف الخبيثة.
المجزرة

في 14 آذار من عام 1988، شنت قوات الاتحاد الوطني الكردستاني، هجوماً بدعم إيراني لتحرير منطقتي حلبجة وخورمال في المنطقة الجبلية في كردستان إضافة لمخيمات النازحين الكرد الذين تشردوا بسبب “حملة الأنفال” التي قادها علي حسن المجيد في الأشهر السابقة.
وفاجأت القوات الكردية جيش صدام المتمركز في المنطقة ما أجبره على الفرار، فقتل الكثيرون غرقاً أثناء الهروب وتم أسر أعداد كبيرة منه، لتعيد بعدها تلك القوات سيطرتها على حلبجة والمناطق المحيطة بها لتأمينها عسكرياً.

وفي 15 آذار، كانت حلبجة بأكملها محررة بأيدي القوات الكردية، وقد احتفل سكانها بالتخلص من وحشية قوات صدام الأمنية والعسكرية، لكنهم أيضاً كانوا متوجسين بالنظر إلى خبرتهم ومعرفتهم بأساليب النظام القاسية، فقبل ذلك بنحو عام كانت قوات النظام قد دمرت أحد أحياء حلبجة بالكامل بعد اندلاع تظاهرة احتجاجٍ منددة بحملة الإبادة القائمة في إطار عملية الأنفال.

رد الجيش العراقي في البداية بقصف المدينة بالأسلحة التقليدية من المدافع والصواريخ خلال يومين متتاليين، وهذا القصف كان الغاية منه تحطيم زجاج المباني تمهيداً لضربها بأسلحة كيمياوية كي لا يتمكن أي شخص من البقاء حياً وراء زجاج المنافذ الذي يحول دون دخول الغازات السامة إلى الدور السكنية. وقد اضطر المقاتلون الكرد للانسحاب إثر القصف المدفعي والصاروخي للمدينة إلى التلال المجاورة تاركين وراءهم النساء والأطفال والمسنين. كان 40 ألف شخص يعيشون حينها في حلبجة على بعد 11 كلم من الحدود مع إيران.

وفي الـ 16 من آذار بدأ الهجوم الجوي العراقي الواسع بالأسلحة الكيميائية على مدينة حلبجة والقرى المحيطة والذي استمر خمس ساعات وشاركت فيه خمسون طائرة حربية من طراز الميغ والميراج وبتنسيق من مروحيات هليكوبتر، فدخلت أجواء المدينة من الجهة الغربية ثم اتجهت نحو الجنوب وألقت كل واحدة منها أربع قذائف كيمياوية يبلغ وزن الواحدة منها 500 كغم على رؤوس المواطنين الأبرياء، وخلال عدة دقائق غطت المدينة سحب صفراء لتبدأ مأساة إنسانية جديدة لا نظير لها بعد الحرب العالمية الثانية، حيث توفي آلاف الناس الأبرياء والعزل.

اُستخدم في الهجوم العراقي مزيج من الغازات السامة والمميتة وأبرزها غاز الخردل حيث يؤثر على الأعصاب ويسبب طفحاً جلدياً مميتاً ويدمر الرئتين بالكامل. وأفادت مختبرات دولية عديدة فيما بعد أن الجيش العراقي قصف حلبجة بثلاثة أنواع من الغازات السامة وهي الخردل “إيبريت” وغاز الأعصاب “تابون سارين” أو “سومان VX” وغاز “سيانوجين” والذي جرى استيرادها من بلدان غربية.
وقد ذكر الناجون من الهجوم أن الغاز عند إطلاقه كانت تفوح منه رائحة التفاح الحلو، وذكروا أن الناس ماتوا بعدة طرق، مما يشير إلى وجود مزيج من المواد الكيميائية السامة. بعض الضحايا سقطوا قتلى في الحال ومات بعضهم من الضحك، بينما مات آخرون بعد بضع دقائق بعد أن ظهرت عليهم أولا علامات حروق وتبثر أو ماتوا بعد سعال وقيء أخضر اللون. وأصيب كثيرون أو لقوا حتفهم بسبب حالة الذعر التي أعقبت الهجوم، وخاصة أولئك الذين أصيبوا بالعمى بسبب المواد الكيميائية.

وبمساعدة من القوات الكردية كان الناجون من المدنيين يدفنون الضحايا بمقابر جماعية، وأشارت المعلومات الكردية والدولية إلى مقتل نحو 5 آلاف شخص وإصابة قرابة 10 آلاف آخرين من المدنيين في مجزرة حلبجة.
الشهود
لم يمضِ وقتٌ طويل على القصف حتى انتشر نبأ المجزرة حينما اكتشف المقاتلون الذين نزلوا من التلال ما جرى ولينتشر خبر الفظائع في حلبجة وتوجّه الصحافيون الإيرانيون والأجانب إلى المنطقة، وفي 23 آذار نشرت الصور الأولى للقصف الكيميائي في الإعلام الدولي. وفي نهاية آذار وصل فريق من منظمة “أطباء بلا حدود” من بلجيكا وهولندا في أول بعثة طبية إلى حلبجة، حيث أكّدت البعثة استخدام غاز الخردل وعلى الأرجح كذلك غاز السيانيد.
الصحافي الإيراني كاوا كولستان كان على بعد نحو ثمانية كيلومترات من حلبجة عندما رصد الطائرات العراقية من طراز “ميغ 23” تقصف المدينة بقنابل الغاز الكيميائي وفق ما نقلت عنه صحيفة “الفايننشال تايمز” وقتها، وقال إنه لم تكن سحابة فطر (مشروم) كبيرة مثل سحابة القنبلة النووية، ولكن سحابات متعددة من الدخان الكثيف وأصغر حجماً، وأنه صدم بالمشاهد عند وصوله إلى حلبجة، رغم أنه شهد هجمات مشابهة عندما كان صدام حسين يقصف المدن الإيرانية بالأسلحة الكيميائية خلال الحرب.

وفي الأول من نيسان كتب مراسل وكالة فرانس برس ميشال لوكلرك ما شاهده وكيف غرقت “حلبجة في سبات طويل” فلم يُسمع فيها حفيف أو صوت أو تُرَ أي حركة، آثار القصف ظاهرة وإن كانت المنازل في مكانها والمتاجر ممتلئة، لكن لا يوجد أثر للحياة منذ أن أمطرتها الطائرات العراقية بسمّها القاتل”.
ردود الفعل
أشارت “مجموعة الأزمات الدولية”إلى أن “الدعاية العراقية، المدعومة من حليفتها الولايات المتحدة، إما نفت ما جرى أو قللت من خطورة هذه الأحداث، أو حرفت الحقائق”. وأنه بعد أسبوع على هجوم حلبجة، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، مستندة على معلومات قدمتها وكالة الاستخبارات العسكرية، أن إيران استخدمت أيضاً غازات قاتلة في حلبجة، دون أن تقدم أي دلائل تثبت صحة هذا الزعم، وتسببت هذه المعلومة في خلق ما يكفي من التشوش لدرجة أن مجلس الأمن الدولي، اضطر إلى تأجيل إصدار قرار حول حلبجة لفترة استمرت لشهرين، ثم عندما أصدر القرار فإنه قام بإدانة “الطرفين” العراقي والإيراني سوية بتهمة استخدامهما أسلحة كيميائية.

وقد أثيرت قضية مجزرة حلبجة في البرلمان البريطاني إلا أنه لم تنتج عنها أي إجراءات عقابية بسبب التزام الحكومة البريطانية كما الولايات المتحدة بدعم نظام صدام حسين في ذلك الوقت.
إلا أن الولايات المتحدة والحكومات الغربية غيرت موقفها في أعقاب الغزو العراقي للكويت متهمة نظام صدام حسين بارتكاب حملات الإبادة تجاه الكرد ومنها مجزرة حلبجة.

محاكمة النظام العراقي
لم توجه المحكمة العراقية الخاصة اتهامات لصدام حسين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بناء على أحداث حلبجة. رغم امتلاك الادعاء العراقي 500 دليل موثق عن جرائم الإبادة وغيرها التي ارتكبت خلال حكمه، إلا أن الحكم عليه بالإعدام كان بناءً على قضية واحدة فقط وهي مذبحة الدجيل عام 1982. وكان من بين العديد من الوثائق التي تم الكشف عنها أثناء محاكمة صدام حسين، مذكرة عام 1987 الصادرة من المخابرات العسكرية العراقية والتي تطلب الإذن من مكتب الرئيس لاستخدام غاز الخردل وغازات الأعصاب السارين والتابون ضد الكرد.
لم يكن لدى الناجين الكرد أدنى شك في أن صدام حسين كان مسؤولاً بشكل شخصي عن هذا الهجوم، وشعروا بخيبة أمل لأنه لم يُحاكم إلا على جرائم القتل في الدجيل.

إلا أن المحكمة العراقية الخاصة حكمت على ابن عم صدام “علي حسن المجيد” (الذي قاد القوات العراقية في كردستان وشمال العراق خلال تلك الفترة واشتهر بلقب علي الكيماوي) بالإعدام شنقاً في كانون الثاني 2010، بعد إدانته بتدبير الهجوم. حُكم على “علي المجيد” بالإعدام للمرة الأولى في عام 2007 لدوره في حملة الأنفال ومجزرة حلبجة ضد الكرد، وفي عام 2008 حُكم عليه أيضاً مرتين بالإعدام بسبب جرائمه ضد الشيعة العراقيين.

من بين العديد من الوثائق الحكومية العراقية الأخرى التي تم الاستيلاء عليها والتي تثبت مسؤولية العراق عن الهجوم هو تسجيل صوتي ينسب لعلي المجيد يقول فيه عن الكرد: (سأقتلهم جميعاً بالأسلحة الكيماوية. من الذي سيعترض؟ المجتمع الدولي؟ اللعنة على المجتمع الدولي ومن يستمع إليه).

آثار المجزرة
ما يزال المصابون بالأسلحة الكيميائية في حلبجة يعانون إلى وقتنا الراهن من آثار الإصابة المتمثّلة بضيق التنفس والتهابات مزمنة في القصبات الهوائية وأمراض الرئة وفقدان البصر والمشكلات الجلدية والإرهاق الدائم، كما تعاني غالبية النساء اللائي تعرّضن للإصابة من الولادة المبكرة عبر العمليات القيصرية أو للإجهاض التلقائي خلال الأشهر الأخيرة من الحمل، بسبب معاناتهن من مشاكل التنفس، إلى جانب مشاكل نفسية مختلفة ومشاكل اجتماعية.

وتشير إحصائيات رسمية صادرة عن جمعية “ضحايا القصف الكيميائي” في حلبجة ، إلى أنّ أعداد المصابين المسجلين الذين يعانون من آثار القصف حتى الآن في إقليم كردستان يبلغ ٩٧٢ مصاباً ، توفّي منهم نحو ٢٢٠ مصاباً جراء آثار الإصابة منذ عام ٢٠٠٣ وحتى الآن .
وهناك مخاوف من أن الهجوم قد يكون له تأثير وراثي دائم على السكان الكرد، كما أظهرت الاستطلاعات الأولية زيادة معدلات العيوب الخلقية.
إعداد: دلشاد مراد
