في مثل هذا اليوم من عام ألفين وثمانية عشر، دخلت مناطق شمال وشرق سوريا التي يقطنها ملايين السوريين على اختلاف أديانهم وثقافاتهم، مرحلةً جديدةً من الأمن والاستقرار والتنظيم المجتمعي، تم خلالها الإعلان عن تأسيس الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، التجربة الرائدة والأولى من نوعها في البلاد، بحسب مراقبين للشأن السوري.
تجربة بدأت مع ظهور مؤشرات على انحراف الحراك الشعبي السلمي المناهض للرئيس السوري بشار الأسد عام ألفين وأحد عشر، نحو التسلح وارتباطه بالأجندات الخارجية، مما خلّف فوضى أمنية وانتشار المظاهر المسلّحة بمختلف المناطق، الأمر الذي دفع بقوى وطنية بشمال شرقي البلاد للعمل على تنظيم المنطقة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وفق رؤى ومشاريع حل ديمقراطي شامل، تجلى لاحقاً مع إطلاق ثورة التاسع عشر من تموز عام ألفين واثني عشر.

الفصائل المسلحة
هذه الثورة ساهمت في تغيير الواقع بمناطق شمال وشرق سوريا، من خلال تكاتف أبناء تلك المناطق وتنظيم أنفسهم بمختلف المجالات، بما فيها العسكري، حتى أعلن في مطلع العام ألفين وأربعة عشر، ورغم كافة التحديات والمعوقات، عن تأسيس الإدارة الذاتية لمناطق الجزيرة وكوباني وعفرين، والتي شكلت الانطلاقة الأولى لمشروع الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

ما هي إلا سنوات قليلة حتى بدأت الإدارة الذاتية بالتوسّع، لتشملَ الرقة والطبقة ومنبج ودير الزور، بعد تحريرها من تنظيم داعش الإرهابي.. تحرير كان لقوات سوريا الديمقراطية الدور الأبرز والرئيس فيه بمساعدة من التحالف الدولي لهزيمة التنظيم، ليُعلن عن تأسيس الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في السادس من أيلول/ سبتمبر عام ألفين وثمانية عشر.

اتخذت الإدارة الذاتية من ناحية عين عيسى شمالي سوريا مركزاً لها، وأسست هيكلية شملت ثلاثة مجالس تشريعية، وقضائية، وتنفيذية تضمّنت مؤسساتٍ مدنيةً وعسكريةً وأمنيةً.

تؤكّد الإدارة الذاتية أنّها بُنيت على عواملَ وطنيةٍ ومجتمعية، ترتكز على التعايش المشترك والتنوع الثقافي والإدارة اللامركزية، الأمر الذي يجعلها نموذجاً ديمقراطياً نادراً لحل الأزمة السورية المتواصلة منذ أكثر من اثني عشر عاماً، وفقاً لمراقبين.
خمس سنوات مرت منذ تأسيس الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، ولا تزال هذه التجربة تمضي قدماً في إطار راسخ، بهدف إيجاد حل وطني سوري بعيداً عن الأجندات الخارجية، في ظل دولة موحّدة لا مركزية، تصان فيها حقوق كافة المكونات، ولعل الجهود التي تبذلها من خلال مبادرات وفعاليات لتوحيد الأطراف الوطنية السورية، أحد الأدلة الواضحة على هذا المسار.

مسار تحاول أطراف عدة، وفي مقدمتها النظام التركي، عرقلته عبر ضرب مشروع الإدارة الذاتية، من خلال إثارة الفتن بين شعوب ومكونات المنطقة وشن هجمات على المناطق الآهلة بالسكان… مخططات تركية يبدو أنها متجهة نحو الفشل، في ظل تكاتف شعوب المنطقة مع مؤسساتها وقواتها العسكرية.

