سقطت في الساعات الأخيرة قلعة الأمل التي بناها العالم متوهّماً، بفعل اتساع رقعة الأنباء حول تقاربات ونقاط تواصل جِدّية جمعت فريقَي التفاوض الأمريكي والإيراني ، سرعان ما انهار هذا التحصين المتأمَّل على غير بصيرة، باعلان نائب الرئيس الأمريكي فشل المفاوضات، وإنْ ظلَّ الحديث حول استمرار العملية التفاوضية في مقابل خسارة جولة منها أمراً مستمرَّ الصلاحية .
لم ترُقْ لنا فكرةُ التنازلاتِ السريعة التي قدمها الطرفان، وفقاً لما تناقلته وسائلُ إعلام العالم كله. وكعادتنا لا تسوقنا التعاميم إلى تغييرِ وجهةِ نظرنا، التي قرّرنا فيها مسبقاً أنّ مفاوضاتٍ كهذه قامت على أساس تشكيل مخرج طوارئ لكلا الفريقين المتناحرين. نخصّص حديثنا حول فانس باعتبار أنه كان طوال الفترة السابقة معقلاً لآمال الانفراج بين المتحاربين، سندخل حديثنا من حيث ذكرنا سابقاً أنّ فانس يشكل حلقة مترابطة من حلقات إدارة ترامب، ومفصلاً من مفاصل تحريك قيادته، فهو بالتالي لم يكن صاحبَ بصيرةٍ خاصة، ولا فكرة أكثر قياساً للوقائع، مذكّرين أن ورورد اسمه في تصريحات الإيرانيين ؛ كان وسيلة لردٍّ إيراني بسلاح مناسب مماثل على استخدام اسم قاليباف لذات فكرة شقّ صف العدو، وقلب قياداته داخلياً.
أدّت ظروف إدارة المعركة السابقة إلى اضطرار ” هذين الأملين ” للالتقاء فوق أركان الخديعة التي أرادها كل طرف لخصمه، غير أنّ الإيرانيين كانوا أكثر براعةً في إدارة المقالب باعتبار جهل الأمريكيين بطبيعة التملّص والمراوغة التي يتمتّع بها الإيرانيون، وإنْ كانتِ الولاياتُ المتحدة صاحبةَ علامة مائزة في هذا المجال، وبغض النظر عن حديث سخيف جداً حول أهمية صحّة واقعة المصافحة بين فانس وقاليباف وأثرها من حيث الدلالة.
في مقابل توتّر الخداع هذا، ظهر لغير الإيرانيين ما كان معلوماً لقيادة ايران، وهو احتياطٌ ينذر بأن الولايات المتحدة تُشاغل العالم وايران بغية الحصول على فرصة ما، تسوقها الظروف المتغيّرة بين لحظة وأخرى للإجهاز على النظام الايراني. ظهر هذا التحذير في نشر باكستان مقاتلاتٍ في السعودية وفقاً لاتفاقية الدفاع المشترك 2025، لصد هجماتٍ إيرانية متوقعة.
نشر المقاتلات هذا، لم يكن وحدَه مَداراً للتّساؤل حول حالة الحياد التي يجب أنْ يتمتع بها الوسيط، لا سيّما في إطار نزاعٍ وصل به الحدّ إلى أنْ يكون دوْلياً باعتبار تاثيره، منوّهين إلى أن هذا لا يعني حرباً عالمية، لأنها في نظرنا ليست سوى فكرة بعيدة، أضف الى ذلك استمرار تزويد إسرائيل بالعتاد العسكري من قبل الولايات المتحدة، حتى في ظل سريان وقف اطلاق النار.
في صعيد متصل بهذا المدار، ذكرنا أن ترامب لن يسمح لغيره بحمل مشعل السلام، فهو لهذا لا يريد للمفاوضات مهما كان نوعُها أنْ تتمَّ، ولو حصل ذلك، فعلى هذه المفاوضات أنْ تنتهيَ باتفاقٍ يؤسّس لفرصة سريعة لنقضه، لقد بدا هذا جليّا بفعل حالة المفاجأة التي أذهلت العالم، حين التقط أنفاسه عند اقتراب ساعة الصفر، التي كانت ستبيد “حضارةً بأكملها” وفقاً لترامب. لكنْ، هذا العالم عاد بعد لحظاتٍ، وأطلق العَنانَ لأنفاسه دون أنْ يعلم سبب هذا التحوّلِ.
تصريح ترامب الأخير قبل إعلان فانس فشل التفاوض، والذي كرّر ترامب فيه إعلان نصره مرات عدّة بعبارات سريعة الإيقاع. لكنْ هذه المرة كانت فيها علاماتُ ارتباكه أكثر وضوحا، كان هذا التصريح مقدمة لإعلان فانس حول فشل المفاوضات، علاوةً على تكثيف وسرعةِ جلسات التفاوض التي أنبأت بسيرها غير الطبيعي. بهذه النتيجة فانس لم يغادر من تلقاء ذاته، لقد غادر بأمر من ترامب خشية انزلاق الأمور إلى حدٍّ يضطرُّ فيه ترامب إلى تقديم تنازلٍ لم يكن في حسبانه، بعد انكشافِ صلابةِ الفريق الإيراني، وعدمِ اكتراثه بنتائج فشل التفاوض، في مقابل ارتفاع تكلفة استئناف الضربات الأمريكية عمّا كانت عليه الحالُ فيما لو تواصلت دون انقطاع إطلاق النار هذا. من أجل ذلك اختار ترامب اختياراً غيرَ موفقٍ، وهو تكتيكُ الحصار البحري.
علينا ألاّ نَنسى امْتعاضَ الولايات المتحدة من اتفاقية دفاع باكستان – السعودية، في محاولةٍ لتخفيف تأثير الاعتماد عليها، إضافةً إلى طبيعة علاقة رئيس أركان الجيش الباكستاني بالولايات المتحدة، التي لم تغبْ عن بال المسؤولين في إيران، الذين ظلّوا يتعاملون معها منذ البداية حتى اللحظة.

الكاتب : د. راشد الشاشاني
