لم تكن تعلَمُ غنوة أبو حسون، أن خطواتها المترددة خارج بيتها في قرية “جرين” بريف السويداء جنوبي سوريا، ستكون آخرَ ما تشهده من موطنها القديم, حيث كانت الحربُ تطرُقُ أبواب الريف الغربي للمحافظة، وبدأت النيرانُ تلتهم البيوت كما تلتهم الذكريات, بين صرخاتِ أمٍّ عجوز، وعيونٍ تترقب الموتَ وقلوبٍ تنبض بالخوف، بدأت حكاية الهروب من جحيم الحرب.
في الساعات الأولى من صباح الأحد، الثالث عشر من تموز الجاري، كانت غنوة تستعد لمغادرة منزلها في قرية جرين، لكن شيئاً في داخلها أبى أن يترك والدتها خلفها.
بهذه الكلمات تصفُ غنوة اللحظاتِ الأولى التي فصلتها عن بيتها، إذ شجّعت أمَّها بخطواتها البطيئة، وسارت بها نحو بيت عمّها القريب, لم تكن تعلم أن هذا سيكون آخرَ مكانٍ “آمن”، يجتمع فيه الناجون لأربعة أيام، على وقع الرصاص والصراخ واللهيب.
وبينما كانت العائلةُ تختبئ في بيت عمها، كانت البيوتُ المجاورة تسقط واحدًا تلو الآخر. لم يسلم منها منزلٌ ولا زاوية, اقتحم المسلحون البيوتَ وأضرموا فيها النار وسرقوا ما أمكنهم، حتى دورُ العبادة لم تسلم من ذلك.
توسّعت دائرة الفوضى. بيتُ عمها الذي آواهم مؤقتًا، أصبح فارغًا من رَجُلِهِ الوحيد، الذي اختُطف في ظروفٍ غامضة, تقول غنوة إن العائلةَ حتى اليوم لا تعرف عنه شيئًا، أهو حيّ أم قضى نحبه في أحد أقبيةِ الخطف؟ في لحظةٍ تحوّل الأمانُ النسبي إلى وجعٍ آخرَ يُضاف إلى لائحة الخسائر.
مع اشتداد القتال وغياب أي مؤشراتٍ على العودة، قرّرت العائلةُ التوجه نحو القرى الجنوبية، إلى “أم الرمان”، علّهم يجدون هناك شيئًا من الأمان، أو على الأقل، مكانًا يبتعد عن صوت القنابل, وفي طريق النزوح، الذي لم يكن سهلاً, كثيرون كانوا يبحثون عن ملجأ، الكل خائف، والعيون تترصد المستقبل المجهول.
وبعد انسحاب عناصر الأمن العام وقوات الحكومة ومسلحي عشائر البدو من المدينة، قررت غنوة مع مَن تبقّى من عائلتها، العودةَ إلى المكان الذي تركوه خلفهم، لكنهم لم يعودوا إلى بيوتهم، بل إلى أكوامٍ من الرماد. كانت البيوت قد دُمّرت، والأثاث نُهب.
لم يكن أمامهم سوى الاعتماد على المبادرات المدنية المحلية، حيث اجتهدَ أهالي المدينة في توفير غرفةٍ صغيرةٍ لهم، وبعضِ الفرش كي يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة، رغم الجراح النفسية التي ستحتاج لسنوات لتُشفى.
الذكريات التي حملتها غنوة ليست مجرد مشاهد حرب، بل هي جِراحٌ لم تُداوَ بعد. فهي لم تنسَ مشاهدَ القتل والذبح، ولم تُمحُ من ذاكرتها صورُ القنص وحرق الأبرياء من نساءٍ ورجالٍ وأطفال، دون أي ذنب.
