توالي الأزماتِ على رؤوس السوريين دونما هوادةٍ مُنذ انطلاق حَراكهم الشعبي عام ألفين وأحد عشر لتحسين الواقع المتردّي في عموم البلاد، خلق واقعاً أشدَّ فتكاً وإيلاماً ممّا كانوا عليه حينها، لا سيما في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الحكومة، حيث بات الخروج منها سواءً بالهجرة إلى الخارج أو حتى النزوح داخلياً حُلُماً يُراود سكانها.
بخُطا ثابتة يسير الواقع الأمني والمعيشي والتعليمي كما روّجت له الحكومة السورية ومؤيّدوها على مدى عقودٍ من الزمن، ولكنْ هذه المرّة نحو الهاوية، بعد رهنها مقوماتِ البلاد جميعَها لحليفيها الرئيسيين إيران وروسيا، وغياب أي أثرٍ تنموي لمقدراتها أو حتى المساعدات الممنوحة باسم السوريين، تحت ذريعة تأثير العقوبات الغربية، وهذا ما أكده اختفاء مساعداتٍ بملايين الدولارات وصلت للسلطات بعد كارثة الزلزال.

كارثة الزلزال
تقاريرُ أممية ومنظمات حقوقية عديدة أكدت أنّ الأوضاع الأمنية والاقتصادية الهشّة التي يعيشها السكّان في المناطق الحكومية، ازدادت سوءاً في ظلّ الانفلات الأمني المتصاعد وارتفاع معدَّلات الجريمة، وتدهور الحالة المعيشية، حيث بات الناس يضطرون للوقوف في الطوابير لساعاتٍ طوال من أجل الحصول على رغيف خبز، وغيره من مستلزماتٍ باتوا يغضون الطرف عنها إذ لا طاقة اليوم لهم بها.

أزمة الخبز
معاناة تفاقمها انتهاكات الفصائل التابعة لإيران وجماعة حزب الله اللبناني، والاعتقالات التي تنفذها السلطات لسوق الشبان إلى الخدمة الإجبارية، رغم الواقع المأساوي الذي طالت إفرازاته حتى الموالين للحكومة، فهم يعيشون حالةً من الاحتقان والغليان، نتيجة تدهور القيمة الشرائية لليرة، وتفشّي الفَقْر والبطالة وتدنّي المستوى التعليمي، حيث ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بتذمر آلاف الموالين وخاصة المؤثرين، بمنشورات الامتعاض من هذا الواقع، محملين الحكومة المسؤولية عمّا آلت إليه أوضاعهم.

انتهاكات الفصائل التابعة لإيران
إفرازاتٌ دفعتِ الكثير من الشباب السوري إلى مغادرة البلاد، إذ يشهد مركز الهجرة والجوازات في العاصمة دمشق أرتالاً من المنتظرين بالآلاف للحصول على جواز سفرٍ يمكّنهم من مغادرة البلاد، أو سلوك طرق ملتوية إذا تعذر السفر بهذه الطريقة، وهو ما تستغله مثلاً جماعة حزب الله، التي أكدت مصادر عديدة أنها تقوم بتهريب الشبّان السوريين إلى لبنان مقابل مبالغ مالية كبيرة.

وإلى جانب التهجير الداخلي واللجوء في دول الجوار، يحاول مئات الآلاف من السوريين الوصول إلى أوروبا، في هجرةٍ لاقوا خلالها الويلات بين زحام الموت وآمال الوصول إلى شواطئ النجاة، فمنهم من قضى برداً ومنهم من قضى غرقاً ومنهم من تقطعت به السُّبُل، ولعلّ أبرز الشواهد على هؤلاء فقدان أربعة شبان لحياتهم اختناقاً بشاحنة في طريقها إلى أوروبا قبل يومين، وما سبقها بأيام من ضحايا لغرق قاربين قبالة السواحل الجزائرية.
تتعدد طرق الموت الذي يحصد كل يوم أرواح السوريين وتتغيّر أدواته، لكن الثابت الوحيد هو بنية السلطة التي تقوم عليها الحكومة السورية، التي ما تزال وفق مراقبين تتعاطى مع أوضاع السوريين من خلف الزجاج، وتمارس هوايتها المفضلة في تصنيف الشارع، بين ناعق مروج لصمودها وأحقيتها في الهيمنة على مقدرات البلاد يوصف بالوطني، أو رافض لسياساتها الكارثية وتجاهلها لمآسي المواطنين ينعت بالخائن أو الإرهابي، وبين هذا وذاك تضيع أحلام بحجم وطن.
