في الشرقِ السوري، لا تبدو معاناةُ الناس مجردَ أزماتٍ عابرة في الخدمات، بل امتداداً لسنواتٍ طويلة من التهميش الذي تركَ آثاره على تفاصيلِ الحياة اليومية. هناك، حيث تتسع المسافات وتضيق الخيارات، فمدنٌ وبلداتٌ كثيرة ما تزالُ تكافح من أجلِ أبسطِ مقومات الاستقرار، فيما تتراجع الخدمات وتتآكل المؤسسات ويغادر أصحاب الخبرة بحثاً عن واقعٍ أفضل.
المرصدُ السوري لحقوق الإنسان أفاد بأن ستة أطباء مقيمين في قسم الداخلية بمشفى دير الزور الوطني تقدّموا بطلباتٍ للانفكاك خلال نحو شهر ونصف، من أصل قرابة 20 طبيباً يعملون في أقسام الداخلية، فيما تشيرُ المعلومات إلى أن أطباءَ آخرين يدرسون اتخاذ الخطوة ذاتها، ما يثيرُ مخاوف من اتساع دائرة المغادرين خلال الفترة المقبلة.
المعطياتُ المتداولة في الوسط الطبي تشير إلى حالةٍ من الاستياء بين عددٍ من الأطباء على خلفية ظروف العمل داخل القسم، وسطَ مطالباتٍ سابقة بتحسين الواقع المهني ومعالجة المشكلات التي تواجه الكادر الطبي، إلا أنَّ تلك المطالبات لم تفضِ، وفق معلومات المرصد الحقوقي، إلى حلولٍ ملموسة، ما دفعَ البعض منهم إلى التوجُّه نحو طلبِ الانفكاك.
وفي المقابل، تثير طريقة التعامل مع هذه الطلبات تساؤلاتٍ حول مدى جدية الجهات المعنية في معالجة أسبابها، ولا سيما مع وجود معلوماتٍ عن استعدادها للموافقة على طلبات الانفكاك، بدلاً من فتحِ حوار مع الأطباء والبحث في أسباب مغادرتهم ومحاولة احتواء المشكلة، الأمرُ الذي قد يحوّلُ حالاتِ فردية إلى موجةِ خروج من الكادر الطبي، ويزيد من الأعباء الملقاة على الأطباء المتبقين.
في المناطق التي أنهكتها سنوات الحرب، لا يكون غيابُ الطبيب مجرد نقصٍ في الأيدي التي تعالج المرضى، بل غياباً لجزء من الشعور بالأمان. وكلما انحسر حضور الكفاءات، اتسعت المسافة بين المواطن وحقه في حياة طبيعية، وباتت أبسط الخدمات أشبه بامتيازٍ لا حق له فيه.
