في قلب الشرق الأوسط تبرز سوريا كواحدة من أهم ساحات الصراع الجيوسياسي، بين مختلف القوى الإقليمية والعالمية، خاصة بعد سقوط نظام بشار الأسد.
ومنذ اندلاع الحراك الشعبي في آذار / مارس 2011 أصبحت الجغرافيا السورية نقطة اشتباك رئيسية، تعكس تنافسًا حادًا بين قوًى مختلفة في كافة الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية.\
لكن سقوط نظام بشار الأسد الدراماتيكي أواخر العام الماضي أطلق شرارة صراع جديد، حيث تنفذ إسرائيل ضربات قوية على أهداف تقول إنها تشكل تهديدًا لأمنها. ومؤخراً استهدفت إسرائيل مطارات ومراكزَ تحاول تركيا استخدامها لتثبيت وجودها العسكري، ما بعث برسالة بأن تل أبيب لن تتسامح مع زيادة نفوذ أنقرة العسكري في هذه المنطقة.
إسرائيل ترى أن تركيا تحاول جاهدة جعل سوريا ما بعد الأسد، ساحة نفوذ لتمرير أجنداتها التوسعية العسكرية والاقتصادية، مستغلة الظرف الحالي في ظل وجود حكومة انتقالية، تعاني من صعوبة كسب ثقة المجتمع الدولي في الاعتراف بشرعيتها في الحكم، وعليه فإن تل أبيب ترى في الدور التركي المتنامي تهديدًا مباشرًا لها.
وتشكل هيئة تحرير الشام ومن بعدها الحكومة الانتقالية الجديدة بسوريا موضع قلق لدى إسرائيل، على الرغم من أنها وبحسب تقارير استخباراتية تلقت موافقة إسرائيلية ـ أمريكية ـ عربية للإطاحة بالأسد ووصولها إلى سدة الحكم، وهذا زاد من خشية تل أبيب من أن تتحول سوريا من نظامٍ كان موالياً لإيران، إلى آخر موال لتركيا وكلاهما يشكل مصدر إزعاج لإسرائيل، بحسب مراقبين يرون أن محاولات تركيا بإقامة قواعد عسكرية في مواقع استراتيجية مثل تدمر وحماة وسط سوريا، يعتبر بالنسبة لإسرائيل خطًا أحمر.
والأطماع التركية الاقتصادية في سوريا باتت واضحة ولا سيما بعد اكتشاف مكامن بحرية غنية بالغاز والنفط في شرقي المتوسط، مما دفع تركيا إلى الإسراع في عقد اتفاقيات لترسيم حدود بحرية مع دمشق، وهو ما تعتبره إسرائيل ومعها دول غربية مثل اليونان وقبرص ومصر، تهديدًا مباشرًا لمصالحهم الاقتصادية في المنطقة.
التضارب في المصالح الاقتصادية لم يكن فقط في شرقي البحر المتوسط بل شمل أيضًا البر السوري، فمشروع أنابيب الغاز القطري الذي من المفترض أن يمر عبر سوريا وصولاً إلى تركيا وأوروبا ترى فيه تل أبيب خطرًا حيويًا. ووصول تركيا إلى مبتغاها في تنفيذ مشروعها يقطع الطريق أمام مشاريعَ إسرائيلية، قد تتحقق يومًا بعد التطبيع مع سوريا وإن كان هذا مستبعدًا في الوقت الحالي.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة تجد سوريا نفسها أمام امتحان حقيقي في المحافظة على توازنها، حيث باتت البلاد محط أنظار قوى إقليمية ودولية، مما قد يغرق البلاد في دوامة النفوذ الأجنبي والتدخلات الخارجية.
