في شمال وشرق سوريا، تشكلت ملامح تجربة سياسية واجتماعية فريدة، تقودها الإدارة الذاتية في محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع.
هذه التجربة، التي نشأت في ظروف معقدة، تسعى إلى بناء نموذج يعتمد على اللامركزية، ومشاركة مختلف المكونات القومية والدينية، من عرب وكرد وسريان آشوريين وغيرهم، في إدارة شؤونهم اليومية وصياغة مستقبلهم.
تعتمد هذه الحالة على فلسفة تنظيم المجتمع من القاعدة إلى القمة، حيث تُمنح المجالس المحلية والكومينات دورًا محوريًا في اتخاذ القرار.
لا تقتصر المشاركة على النخب السياسية، بل تمتد إلى مختلف الفئات الاجتماعية، بما في ذلك النساء والشباب، في محاولة لإعادة توزيع السلطة وكسر احتكارها.
هذا النموذج، رغم التحديات، يطرح تصورًا عمليًا لدمقرطة المؤسسات، قائمًا على التمثيل الحقيقي والتعددية.
وتبرز المرأة كفاعل أساسي في هذه التجربة، حيث لم تعد مجرد شريك رمزي، بل أصبحت جزءًا من منظومة صنع القرار، عبر نظام الرئاسة المشتركة، الذي يفرض وجود تمثيل نسائي في مختلف المستويات الإدارية.
كما تسهم منظمات المجتمع المدني في تعزيز ثقافة الحوار والتسامح، وتعمل على ترسيخ قيم المواطنة في بيئة متعددة الهويات.
في المقابل، يبدو المشهد في بقية أنحاء سوريا أكثر تعقيدًا وإرباكًا. فعلى الرغم من سقوط النظام في كانون الأول ديسمبر 2024، لا تزال مؤسسات الدولة الانتقالية عاجزة عن استكمال بنيتها الأساسية.
مجلس الشعب، الذي يُفترض أن يكون حجر الأساس في العملية التشريعية، لم يعقد حتى الآن أي جلسة فعلية، ما يثير تساؤلات جدية حول جدية المرحلة الانتقالية.
الأكثر إثارة للقلق هو غياب قانون للأحزاب السياسية، وهو ما يعطل بشكل مباشر إمكانية تنظيم الحياة السياسية وفتح المجال أمام التعددية، فبدون إطار قانوني واضح، تبقى القوى السياسية في حالة ضبابية، ويظل العمل السياسي محصورًا في نطاق غير مؤسساتي، ما يهدد بإعادة إنتاج أنماط الإقصاء السابقة.
هذا التباين بين تجربتين داخل بلد واحد يطرح سؤالًا جوهريًا، أي نموذج يمكن أن يشكل أساسًا لسوريا المستقبل، تجربة الإدارة الذاتية، رغم ما تواجهه من انتقادات وتحديات، تقدم مثالًا عمليًا على إمكانية بناء مؤسسات تشاركية، بينما يعكس الجمود في بقية المناطق خطر إضاعة فرصة تاريخية لإعادة تأسيس الدولة على أسس ديمقراطية.
ويرى مراقبون أن بناء سوريا الجديدة لا يمكن أن يتحقق دون تفعيل حقيقي للمؤسسات، وسن قوانين تضمن التعددية السياسية، وتفتح المجال أمام جميع السوريين للمشاركة في صياغة مستقبلهم.
وبينما تمضي بعض المناطق في اختبار نماذج جديدة، يبقى الرهان الأكبر على قدرة السوريين في تحويل هذه التجارب إلى مشروع وطني جامع.
