في وقتٍ تروج فيه الحكومة الانتقالية في سوريا عن انطلاق نحو الانفتاح السياسي واحترام الحريات العامة، تكشف الوقائع الميدانية عن واقع مغاير تماماً، إذ تتصاعد وتيرة الاعتقالات التي تستهدف الصحفيين والنشطاء، في مشهد يعيد إلى الأذهان ممارسات القمع والاستبداد التي كانت سائدة في عهد النظام السابق.
أحدث الوقائع في هذا الصدد كانت في القنيطرة حيث أوقفت الأجهزة الأمنية السورية الصحفي عبد الله الحسن، المعروف بلقبه الإعلامي “نور جولان”، في المحافظة دون إصدار بيان رسمي يوضح أسباب الاعتقال أو خلفياته، ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الصحفية والحقوقية.
وفي حادثة أخرى ليست ببعيدة أقدم عناصر من الأمن العام التابع للحكومة الانتقالية على اعتقال الصحفي الكردي البارز حسن ظاظا، عضو المجلس العام في اتحاد الإعلام الحر وممثل الاتحاد الدولي للصحافة العربية في سوريا، من منزله في حي ركن الدين بدمشق في السابع والعشرين من حزيران يونيو واقتياده إلى جهة مجهولة دون أي مذكرة قضائية أو تفسير قانوني.
وفي أواخر أيار/ مايو وأوائل حزيران / يونيو، تعرض سبعة صحفيين رجالاً ونساء لتوقيف ميداني وتهديدات بالقتل، أثناء تغطية اتفاق تهدئة بين الحكومة الانتقالية ووجهاء من الطائفة الدرزية في السويداء، حيث تم اختطاف صحفية وسحب مسدس إلى جانب رأسها، في واقعة تمثل انتهاكا صارخا فيما يخص الاعتداء على الحريات المهنية للصحافة وفقاً لرابطة الصحفيين السوريين واتحاد الاعلام الحر في سوريا الذي طالب الجهات الدولية المعنية للتدخل حينها.
وفي هذا السياق لا يمكن إغفال ما أقدمت عليه الحكومة الانتقالية في منتصف آذار مارس 2025 على خلفية أحداث الساحل السوري بفرض قيود صارمة على دخول الصحفيين إلى تلك المناطق وتحديداً اللاذقية وطرطوس، وطلبت من الصحفيين الأجانب حينها مغادرة البلاد خلال 30 يوماً، لكنها أبقت على الصحفيين المنتمين لوسائل إعلامية مؤيدة لها في خطوة تهدف إلى “إخفاء أدلة على جرائم حرب” حدثت هناك، والحديث يطول بهذا الشأن.
وفي ظل هذه المعطيات المتواترة تبدو وعود الحكومة الانتقالية بتحقيق الانفتاح الإعلامي واحترام حرية التعبير أقرب إلى الشعارات منها إلى السياسات الفعلية ويبدو أيضاً أن القمع والاستبداد في سوريا لم ينهزم، بل ارتدى ثوباً جديداً ما يستدعي وقفة جادة في داخل سوريا ومن قبل المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية لدعم حرية الصحافة وحماية من يقفون في الصفوف الأمامية لنقل الحقيقة.
