شللٌ شبهُ كاملٍ في حركة النقل الداخلية، وأفران خبزٍ تتناوب في الإغلاق وطوابيرُ من السيارات والمركبات تتزاحم على محطات وقودٍ قليلةٍ نشطة، منذ أواخر الشهر الماضي؛ ظاهرةٌ تشهدها غالبية المحافظات السورية، بعد قرارٍ حكومي جاء مخالفاً للتوقعات بتخفيف الأعباء الاقتصادية عن كاهل المواطنين.
في 28 يونيو/حزيران الماضي، أصدرت وزارة الطاقة قراراً يقضي بخفض أسعار البنزين والديزل وأسطوانات الغاز، استناداً إلى توصيات اللجنة الدائمة المختصة بتحديد الأسعار، وبحسب الوزارة فإن القرارَ جاء بعد دراسةٍ فنية واقتصادية لواقع السوق أجرتها اللجنة.
وفي حين أن التخفيض جاء ليساهم في تخفيف الأعباء وتسهيل الوصول إلى احتياجات الطاقة، إلا أن تطبيق القرارِ ترافق باختفاء الوقود من معظم المحطات، وغياب أي توضيحٍ رسميٍّ يفسّر ذلك.
على إثر الأزمة واستمرارها، سُرعان ما شهدت الحياةُ العامة ارتفاعاً في تكاليف النقل إضافةً إلى ندرتها، وشحّاً في مادة الخبز ترافقت في بعض المناطق، باعتصاماتٍ مدنيةٍ تطالب بالحياة الكريمة، وخفض تكاليف الاحتياجات المعيشية.
الأزمة أثّرت بشكلٍ متتابع أيضاً على قطاعاتٍ مختلفة، تعتمد على الوقود من أجل التشغيل أو النقل، سواءٌ في التجارة أو المؤسسات الصناعية أو الخدمات، لينعكس ذلك على مظهر الحياة العامة وركودها في مختلف المحافظات، وتتصدرَ أزمةُ الوقود عناوين محركات البحث والأخبار.
والمفاجأة التي أطلقها كثيرٌ من المحللين والخبراء الاقتصاديين، أن أسباب الأزمة لا تعود إلى شحٍّ في مواد الطاقة، بل إن جوهر المشكلة يكمن في سياسة التحرير الكامل لأسعار المشتقات النفطية، والتي تربط الأسعارَ بالتغيُّرات شبه اليومية في الأسواق العالمية، وبسعر صرف الليرة السورية.
وبحسب المراقبين الاقتصاديين، فإن قرار وزارة الطاقة خلق حالةً من عدم اليقين لدى المستوردين وأصحاب محطات الوقود، الذين أصبحوا يخشون شراءَ كمياتٍ كبيرةٍ ثم تكبد خسائرَ مباشرة، إذا صدر قرارٌ جديد بخفض الأسعار بعد أيامٍ قليلة، فيما منح القرارُ إنعاشاً قوياً للسوق السوداء، لتمارس احتكارها في اقتصادِ بلدٍ ما يزال يعاني هشاشةٍ مالية، وتقلُّباتٍ حادةً في سعر الصرف.
وفي حين أن الحكومة لجأت إلى معالجة المشكلة، بضخِّ كمياتٍ أكبرَ للمحروقات، إلا أن المحللين يجدون أن الخلل كامنٌ في سياسة التسعير، التي ينبغي أن تكون أكثرَ استقراراً وشفافية، وأن تخضع السوق لآلياتِ رقابةٍ أكثرَ فاعلية، من شأنها بناء الثقة بين الدولة والمستوردين وأصحاب المحطات والمستهلكين.
