في ظل واقعٍ إقليمي معقّد تزداد فيه النزاعات اشتعالًا تبقى سوريا عنوانًا لتجربةٍ مأساوية امتدت لعقود، إذ عاشت البلاد لأكثر من خمسين عاماً تحت قبضة نظامٍ استبدادي لم يعرف طريقاً للرحمة، عانى منه الشعب السوري نتيجة لقراراتٍ وتجاذبات حاكمة فرضها نظام الأسد وانتهت بانهيار حكمه، لكنه سرعان ما استبدل بنمط حكمٍ جديد بقيادة رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، الذي لم يتمكن من تحقيق التطلعات الوطنية، مما أبقى السوريين محاصرين في دوامةٍ من الأزمات السياسية والأمنية والاجتماعية.
ففي شمال شرقي سوريا، أشار باولو سيرجيو بينهيرو، رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة حول سوريا في تقرير، إلى أن تعثر اتفاق العاشر من آذار مارس بين قائد قوات سوريا الديمقراطية ورئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، وأن الاشتباكات الأخيرة تثير المخاوف من انفجارٍ جديد للعنف في ظل بقاء آلاف العناصر من تنظيم داعش الإرهابي ضمن مراكز الاحتجاز.
بينهيرو أشار في تقريره إلى أن المواجهات التي اندلعت بين الدروز والبدو في السويداء في تموز يوليو ألفين وخمسة وعشرين، تسببت في نزوح نحو مئتي ألف مدني وسقوط مئات القتلى والجرحى.
ولم يُغفل التقرير التطلعات التي ظهرت مؤخراً لدى الشعب السوري نحو السلام والعدالة، حيث أكد بينهيرو خلال زيارته لسوريا على أن هذه الآمال ما تزال حيةً رغم استمرار موجات العنف، مبرزاً أهمية بناء دولةٍ موحدة تحترم التنوع داخل سوريا وتلتزم بحماية حقوق الإنسان، ما يستلزم استقرارًا سياسيًا وأمنيًا يسمح بمعالجة جذور الانتهاكات والمظالم المستمرة.
أما في سياق اللقاءات الرسمية، نقل رئيس اللجنة بطمأنته من قبل وزير العدل السوري بملاحقة حالات الاعتقال خارج نطاق القانون مع ضمان الإشراف القضائي على جميع الإجراءات، إضافة إلى إتاحة التواصل بين المحتجزين وأسرهم ومحاميهم، مع وعودٍ بالمتابعة الدقيقة لضمان تحقيق هذه المعايير.
كما أكد بينهيرو أهمية مشاركة العائلات التي فقدت أحبائها في عملية العدالة الانتقالية، معتبرًا إياها ركيزة أساسية لإتمام ملف المفقودين وتحقيق المصالحة، مشيرًا إلى الاستفادة من التجارب الإقليمية والدولية المشابهة في هذا المجال.
على الصعيد الدولي أشار باولو سيرجيو بينهيرو، رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة حول سوريا، إلى استمرار الغارات الإسرائيلية المكثفة على مدن استراتيجية مثل دمشق وحمص واللاذقية، متسببةً في خسائرَ بشرية ومادية كبيرة، ومستمراً في عمليات الاحتلال الجغرافي جنوب البلاد، مما يؤكد تعقيد المشهد السوري كحقل تصادمِ مصالحَ إقليمية ودولية.
واختتم رئيس اللجنة لقاءه بالمسؤولين الحكوميين بمناقشة مسار الإصلاح السياسي والمؤسسي الجاري، والهادف إلى تعزيز حماية حقوق الإنسان. ونقل خلال اللقاء قلق اللجنة إزاء تجدد أعمال العنف، والتحديات الجسيمة التي تعيق تنفيذ الحريات الأساسية، مؤكدًا أهمية اتخاذ خطواتٍ عملية وسريعة لمعالجة هذه القضايا.
ويبقى مستقبل سوريا معلقًا بين تطلعات شعبها إلى بناء دولةٍ عادلة وآمنة، وواقعٍ معقّد تحكمه الانقسامات الداخلية والحصار الإقليمي والدولي.
فالوصول إلى الاستقرار والسلام المستدام يتطلب إرادةً سياسية صادقة، ومشاركةً وطنية جامعة تضع مصلحة السوريين فوق كل الاعتبارات، لتغدو سوريا نموذجًا للتحول والتعافي في المنطقة.
