في بلدٍ أنهكته الحرب وتنازعته الهويات والمشاريع السياسية، لم تكن صناديق الاقتراع هذه المرة كافية لإقناع الشارع السوري بأن صوته سيصنع الفارق.
ففي الحسكة وكوباني، بدا المشهد الانتخابي أقرب إلى اختبار جديد لعلاقة المكوّنات المحلية بالحكومة الانتقالية في دمشق، وسط اتهاماتٍ متصاعدة بأن نتائج الانتخابات كُتبت قبل فتح الصناديق، وأن العملية برمّتها لم تتجاوز حدود “الترتيب السياسي المسبق”.
محافظة الحسكة ومنطقة كوباني بحلب شهدت انتخاباتٍ استثنائية لاختيار أعضاء مجلس الشعب الانتقالي الجديد، وسط سخطٍ شعبي واسع واتهاماتٍ حادّة من القوى السياسية الكردية للجهات المنظمة بفرض أسماءَ محدّدة سلفاً، وتحويل صناديق الاقتراع إلى “إجراءٍ شكلي” لا يعكس إرادة الناخبين الحقيقية.
اللجنة العليا للانتخابات أعلنت النتائج الأولية لملء شواغر دوائر الحسكة والقامشلي وكوباني، حيث فاز 11 مرشحاً من أصل 32 تنافسوا على 9 مقاعد.
وبينما أشاد المتحدث باسم اللجنة، نوّار النجمة، بـ”مهنية” العملية الانتخابية ووصول نسبة التصويت إلى 95% من الهيئة الناخبة، كشفت المعطيات الميدانية عن آلية هجينة تجمع بين الانتخاب والتعيين المسبق، في ظل تخصيص 70 مقعداً من أصل 210 مقاعد يعيّنها رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع ضمن ترتيبات المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام السابق.
ووصف عزام الدندح، عضو دائرة قامشلي، العملية بأنها “مهزلة انتخابية”، مشيراً إلى توزيع قصاصات ورقية صباح يوم الاقتراع تتضمن أسماء مرشحين، قالت جهاتٌ محلية إنها مفروضة من الهيئة السياسية التابعة للحكومة.
وتأتي هذه الانتخابات في إطار تنفيذ الاتفاق الموقّع بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية في يناير كانون الثاني الماضي، إلا أن الآلية المتبعة فجّرت موجة اعتراضات كردية واسعة. حيث أدانت 24 حزباً وكتلة سياسية كردية طريقة توزيع المقاعد، معتبرةً أن تقليص حصة المكون الكردي إلى أربعة مقاعد فقط من أصل 210 يشكل “إقصاءً سياسياً وديموغرافياً”، في وقتٍ تطالب فيه القوى الكردية بتمثيل لا يقل عن 40 مقعداً استناداً إلى نسبتهم السكانية في البلاد التي تتجاوز الخمسة عشر بالمئة على أقل تقدير.
من جهتها، انتقدت القيادية في حزب الاتحاد الديمقراطي، فوزة يوسف، ما وصفته بـ “التعيينات المسبقة”، معتبرةً أن ما جرى يعكس استمرار سياسات التهميش وعدم الاعتراف الحقيقي بالشراكة السياسية للمكونات المحلية.
وبحسب المرسوم الصادر الرئاسي، جاءت هذه الانتخابات التكميلية بعد تأجيلها في سبتمبر 2025، ومع انتهاء عمليات الفرز، تبدو الطريق ممهدة لعقد الجلسة الأولى للمجلس عقب إعلان الأسماء المعيّنة سيادياً، بينما تبقى المقاعد الثلاثة المخصّصة لمحافظة السويداء شاغرة حتى إشعار آخر، في ظلِّ تساؤلات متزايدة حول شرعية المجلس الجديد وقدرته على تمثيل مختلف القوى والمكونات السورية.
