على امتداد سنوات سيطرته في سوريا، ترك تنظيم داعش الإرهابي خلفه سجلًا دامياً من المجازر والإعدامات الجماعية والتهجير القسري، مستخدمًا القتل والعنف وسيلةً لإخضاع المجتمعات التي رفضت الخضوع لسلطته، وكانت مجزرة الشعيطات واحدةً من أبشع تلك الجرائم وأكثرها دموية.
ففي صيف عام ألفين وأربعة عشر شنّ التنظيم حملةً دمويةً ضد أبناء عشيرة الشعيطات في ريف دير الزور الشرقي، بعد رفضهم مبايعته والسماح له بفرض سيطرته على بلداتهم. واستمرت عمليات القتل والملاحقة 12 يومًا، بين الثلاثين من تموز والحادي عشر من آب/أغسطس لتشملَ بلدات أبو حمام والكشكية وغرانيج.
ووفق توثيقات المرصد السوري لحقوق الإنسان، قتل التنظيم الإرهابي نحو 930 شخصًا من أبناء العشيرة، غالبيتهم العظمى من المدنيين الذكور، خلال المواجهات وعمليات الإعدام والملاحقة. كما شملت الانتهاكات الاعتقال والتعذيب والتهجير القسري ونهب الممتلكات وتدميرها، فيما دُفن عدد من الضحايا في مقابر جماعية، ولا يزال مصير عشرات المفقودين مجهولًا حتى اليوم.
ولم تقتصر جرائم التنظيم على القتل، إذ تعرضت منازل المدنيين وممتلكاتهم للنهب والتدمير، واضطر آلافٌ من أبناء العشيرة إلى النزوح من بلداتهم وقراهم.
وفي تشرين الثاني ألفين وأربعة عشر، وبعد نحو ثلاثة أشهر من المجزرة، سمح التنظيم لأبناء الشعيطات بالعودة إلى قراهم وبلداتهم، لكن العودة جاءت مشروطة بإجراءات صارمة فرضها التنظيم، شملت منع الاجتماعات والتجمعات، وحظر حيازة السلاح وتسليمه، وإبلاغ التنظيم عن الأشخاص الذين قاتلوه ومخابئ الأسلحة، والتهديد بقتل من يثبت تورطه في مواجهته.
وبعد سنواتٍ من الرعب الذي فرضه تنظيم داعش الإرهابي على أبناء المنطقة، برزت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” قوةً رئيسةً في مواجهة التنظيم واستعادة مناطق واسعة من ريف دير الزور.
وتمكنت “قسد” خلال تلك العمليات من تفكيك مواقع التنظيم ودفعه خارج مناطق واسعة من ريف دير الزور، وصولًا إلى إنهاء سيطرته الميدانية في آخر معاقله في الباغوز بريف دير الزور الشرقي شرقي سوريا.
ولم تقتصر معارك “قسد” على إنهاء السيطرة الميدانية للتنظيم، بل مثّلت بالنسبة لآلاف المدنيين نقطة تحوّلٍ من الخوف إلى الأمان، بعدما أُبعد شبح القتل والإعدامات والتهجير عن بلداتهم، ومُهّد الطريق أمام عودة الأهالي إلى مناطقهم واستعادة حياتهم التي مزقتها سنوات الإرهاب.
وبعد سنوات من المجزرة، لا تزال آثار جرائم تنظيم داعش الإرهابي حاضرة في ذاكرة أبناء الشعيطات والمنطقة، فيما يبقى الكشف عن مصير المفقودين ومحاسبة المتورطين مطلبًا أساسيًا لتحقيق العدالة، وضمان ألا تتحول هذه الجرائم إلى صفحات منسية في تاريخ الحرب السورية.
