جغرافيا تخضع أجزاءٌ كبيرةٌ منها للاحتلال، واقتصادٌ مُثقلٌ بالديون والحكومة عاجزةٌ عن إيفائها.. سوريا التي مزَّقتها سنوات الحرب الطويلة ترزح اليوم تحت وطأة الديون الخارجية، بعد أن كانت تتفاخر بجملة “صفر ديون” عام ألفين وعشرة، إلا أن هذا التفاخر ذهب دون عودة، في ظل ديونٍ لروسيا وإيران بمليارات الدولارات قادت لرهن الكثير من منشآت البلاد للطرفين.
حاجةُ الحكومة السورية لأموالٍ لتمويل هجماتها العسكرية في البلاد واستمرار تراجع قيمة الليرة السورية دفعها إلى تمويل موازناتها عن طريق العجز التجاري، وطرح كتلةٍ نقديةٍ كبيرةٍ من العملة المحلية يتجاوز حجمها ستمئةٍ وخمسين مليار ليرة، معتمدةً في استيراد السلاح على سحب الاحتياطات من القطع الأجنبي الموجودة في المصرف المركزي.
ورغم العجر والديون، تطرح الحكومة في وسائل الإعلام التابعة لها، أن الميزانية لا تُعاني أي عجز، حيث أقرت موازنة عام ألفين وتسعة عشر بقيمة تسعة مليارات دولار، وقالت إنها بدون عجز، والأمرُ نفسه انطبق على ميزانية عام ألفين وعشرين التي بلغت ستةً فاصلة اثنين مليار دولار، فيما تستمر بالاستدانة من روسيا وإيران.
أولى الديون التي تم التصريح عنها، تمثَّلت بأول “خط ائتماني إيراني” منح للحكومة السورية عام ألفين وثلاثة عشر بقيمة مليار دولار، مع تجديد الخط مرةً أخرى عام ألفين وخمسة عشر، مؤلفٍ من قسمين الأول لتمويلٍ قصير الأجل ويشمل المواد الغذائية والاستهلاكية، والثاني للتمويل متوسط الأجل ويشمل المشاريع والتجهيزات اللازمة لمؤسسات الحكومة، مع وجود خطوطٍ أُخرى تورِّد من خلالها إيران النفط والمحروقات لدمشق.
أما الديون الروسية على الحكومة السورية، فتتضارب الروايات والتقارير بشأن حجمها وأرقامها، في ظل عدم وجود أرقامٍ رسميةٍ صادرةٍ من أيٍّ من الجانبين، إلا أن مراقبين يؤكدون أن ديون روسيا تفوق الديون الإيرانية، وجاءت عبر تصدير السلاح والذخائر وتحديث طائراتٍ حربيةٍ وشحنات نفطٍ وقمح، مُرجِّحين قيمة الديون الخارجية على الحكومة السورية لعام ألفين وثلاثة وعشرين بنحو سبعة عشر مليارَ دولار.
البنك المركزي المسؤول عن رسم السياسة المالية للبلاد تحرَّك مؤخراً للكشف عن ورقة عمله مستعرضاً المسببات والظروف الصعبة التي تعرضت لها البلاد من تخريبٍ وتدمير، وتضرُّرِ القاعدة الإنتاجية بشكلٍ واسع، ما شكّل عامل ضغطٍ على إمكانيات البلاد وقدرتها على مواجهة تداعيات الحرب المتسارعة.
ووسط عدم اعتراف الحكومة السورية بحجم الديون الخارجية المترتبة عليها، يبقى الشعب السوري تحت وطأة خدمة الدين العام وانخفاض قيمة الليرة وتضخمٍ اعتبرته المنظمات الحقوقية والدولية أنه قد يتسبب بكارثةٍ إنسانيةٍ يكون ضحيتها المدنيون العاجزون عن توفير مستلزمات الحياة المعيشية.
ويرى مراقبون أن رسائل الطمأنة والمواقف الديماغوجية، لا تكفي لإثبات أن سوريا بلدٌ بلا ديون، فالديون المتزايدة على وقع الحرب، جعلت من سوريا “سوريالية اقتصادية” مملوءةٍ بالتناقضات وحافلةٍ بالفشل.
