لم يعد الحديث عن احتمال انضمام سوريا إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك مجرد سيناريو افتراضي بعيد، فدمشق أعلنت بالفعل أنها تدرس خيار الانضمام إلى الاتفاق الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان، في خطوة قد تحمل ما هو أبعد من بعدها العسكري، وتضع سوريا في قلب ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.
الاتفاق الذي وُقّع في السابع من آب/ أغسطس الجاري، ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، مع تعزيز التعاون الدفاعي والردع المشترك، وإن كانت تفاصيله العملية لا تزال أقل من مستوى حلفٍ عسكريٍ متكاملٍ على غرار الناتو.
من الناحية السياسية، الاحتمال أن تصبح سوريا العضو الرابع في الحلف، بات واقعياً أكثر من أي وقتٍ مضى، خصوصاً أن دمشق ترتبط بعلاقات استراتيجية متنامية مع أنقرة والرياض، فيما جاءت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى باكستان بعد أيام من توقيع الاتفاق، لتضيف بعداً جديداً إلى المشهد. لكن الانضمام لا يزال يحتاج إلى تفاهمات سياسية وعسكرية معقدة، ولا يعني مجرد إعلان الرغبة حصول سوريا تلقائياً على مظلة دفاعية.
الدوافع السورية تبدو واضحة، وفق مراقبين، وهي الحصول على دعمٍ سياسي وأمني، وتسريع بناء المؤسسات العسكرية، وتعزيز قدرات الجيش، والاستفادة من القدرات التركية الدفاعية، والخبرة الباكستانية، والثقل الاقتصادي والسياسي السعودي.
والأهم أن دمشق تبحث عن شبكة أمان إقليمية في مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها ملفات إعادة الإعمار، والعقوبات، والحدود، والعلاقة مع إيران وإسرائيل.
إعلان الحكومة المؤقتة أنها تدرس الانضمام إلى التحالف الثلاثي، خلق جدلاً في الشارع السوري حول أولويات الحكومة في المرحلة الراهنة، فعوضاً من الاهتمام بإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات ضمن سياسة أشمل تبتعد فيها دمشق عن التكتلات الإقليمية، أولت الحكومة الجانب العسكري جل اهتمامها بسعيها للانضمام للتحالف وسط كل الأزمات التي تعاني منها البلاد.
فيما يتساءل مراقبون عما ستقدمه دمشق لنظيراتها في التحالف في ظل ما يعانيه الجيش من ترهل ترسانته من الأسلحة التي يعود جلها إلى الحقبة السوفيتية، وغياب أي قوة جوية أو صاروخية رادعة، وما الهجمات الإسرائيلية المتتالية على الأراضي السورية دون أي رد فعل، إلا دليلٌ آخر على تأخر الجيش عن اللحاق بركب الجيوش المتطورة، فيما تبقى الميزة الوحيدة التي تملكها دمشق هي الكتلة البشرية التي تنضوي تحت لواء وزارة الدفاع.
وفي خلفية المشهد من إنشاء التحالف الثلاثي وتركه الباب مفتوحاً لانضمام دولٍ أخرى، تبرز إسرائيل التي تنظر أصلاً بقلق إلى تنامي الدور التركي في سوريا، وقد فجرت الضربة الإسرائيلية لمطار أبو الظهور العسكري هذا الشهر مواجهة سياسية جديدة مع أنقرة، بعدما استهدفت إسرائيل الموقع على خلفية مخاوفها من الوجود العسكري التركي المحتمل.
وفي حال أصبحت دمشق جزءاً من اتفاق مكة، فإن إسرائيل ستجد نفسها أمام معادلة مختلفة، سوريا مدعومة سياسياً من السعودية وتركيا، ومرتبطة دفاعياً بباكستان، فيما تواصل إسرائيل احتلالها للجولان والسيطرة على مناطق سورية أخرى، وتكثف ضرباتها داخل الأراضي السورية.
وقد يتمثل الرد الإسرائيلي بتصعيدٍ سياسي وعسكري، عبر تكثيف الضربات الاستباقية، والضغط على واشنطن، ومحاولة منع تشكل بنية عسكرية سورية مدعومة تركياً.
وهنا تكمن خطورة المشهد، وفق مراقبين، فإذا دخلت دمشق إلى معادلة مكة، فقد لا تكون مجرد إضافة إلى التحالف، بل نقطة التحول التي تجعل الصراع على سوريا جزءاً من صراع إقليمي أوسع على شكل الشرق الأوسط القادم.
