بعد 12 عاماً من الصراع في سوريا، تعود الجامعة العربية إلى المربع الأول من الأزمة، لتقرر عودة الحكومة السورية لشغل مقعدها الشاغر في الجامعة الذي جرد منها أواخر عام 2011، وذلك على خلفية عدم التزام دمشق بالمبادرة العربية آنذاك.
قرار العودة سبقه تمهيد بطيء على مدار سنوات، بدأ بعودة افتتاح الإمارات لسفارتها في دمشق عام 2018، واتخذ فيما بعد خطوات متسارعة، لا سيما بعد تعرض أجزاء من سوريا لزلزال مدمر، أودى بحياة الكثير من السوريين في مناطق خارجة عن سيطرة الحكومة ومناطق أخرى تحت سيطرتها، وهو ما دفع الحكومة فيما فسر بأنه استغلال كارثة إنسانية لتحقيق مكاسب سياسية بغض النظر عن المآسي والمعاناة التي عاشها السوريون الذين تهدمت منازلهم، وباتوا في العراء بين ليلة وضحاها.
في ظاهر العودة إلى الحضن العربي، لم تقدم دمشق أي تنازلات ملموسة، فعلاقتها مع إيران على أحسن ما يرام، وبدا ذلك جلياً خلال زيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا مؤخراً، كما أن الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة السورية لم تغير من نهجها القائمة عليه منذ عقود قيد أنملة، إلا أن العرض العربي هذا لم يكن مجانياً ولن يكون دون مقابل.
المبادرة العربية التي بدأت بالسماح للحكومة السورية بالعودة إلى الجامعة، وإمكانية مشاركة ممثلين عنها في كافة اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية، وجميع المنظمات والأجهزة التابعة لها، سميت مبادرة “خطوة بخطوة” والتي بموجبها تتقدم الجامعة بمطالب للحكومة السورية وعليها تنفيذها مقابل تعهد الجامعة العربية بتقديم مساعدات وتسهيلات في ملفات عديدة.
“الخطوات” المطلوبة من الحكومة تتلخص بعدة نقاط أبرزها العمل على إعادة اللاجئين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية عبر الحدود، والإفراج عن كافة المعتقلين، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، والعمل على عودة اجتماعات ما يسمى اللجنة الدستورية، والتعاون بشكل أكبر في محاربة تنظيم داعش الإرهابي، والالتزام بوقف العمليات العسكرية، وإخراج كافة القوات الأجنبية المتواجدة على الأراضي السورية.
بالمقابل تتعهد الجامعة العربية بتقديم تسهيلات للتعافي المبكر من آثار الحرب، والمساهمة الجادة في مشاريع إعادة الإعمار، والسعي للتخفيف من العقوبات المفروضة على الحكومة السورية منذ سنوات، بالإضافة للتعاون مع القوات الحكومية لضبط الحدود.
ردات فعل الإدارة الأمريكية والدول الغربية الفاعلة في الأزمة السورية، يترقبها السوريون، لا سيما وأن هذه الدول تصر وتؤكد مع كل علاقة جديدة بين الحكومة السورية ودولة ما، على أنها ضد تطبيع العلاقات مع حكومة دمشق ومع الرئيس السوري بشار الأسد، وتشير دوماً بأنها ماضية في عقوباتها إلى أن تبدأ عملية انتقال سلمي للسلطة بشكل حقيقي وملموس.
إذا الحكومة السورية تعود إلى الجامعة العربية، والأسباب التي جمدت عضويتها فيها، ما زالت قائمة إلى يوم الناس هذا، ورغم إصرار الجامعة العربية أن مبادرتها ذات الخطوات المعدودة، تتسق تماماً مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، إلا أن خبرة السوريين مع تعامل الحكومة السورية مع هكذا مبادرات، تضع احتمالات أقرب للفشل منها للنجاح، وخاصةً أن المبادرة العربية التي عرفت بـ “مبادرة الدابي” عام 2011 ذهبت أدراج الرياح، مع إصرار دمشق على تفريغها من مضمونها، والتشكيك بأعضائها.
وبعد 12 عاماً من القتال الممول إقليمياً ودولياً، تبرز أسئلة كبيرة ربما بعضها يطرح حالياً، وبعضها مؤجل إلى حين، ولعل أبرزها ما هي الآلية التي ستتخذ لتعويض السوريين المتضررين من الحرب، والمهجرين والنازحين, وكيفية القصاص لذوي الضحايا، ومدى اليقين بتأسيس عدالة انتقالية تؤمن بتعددية عرقية وإثنية وحزبية في سوريا المستقبل.
