مشهدٌ بات يتكرّر بشكلٍ شبه يومي.. إهانةُ المكونات الأصيلة في الساحات والشوارع وشتائمُ تطالُ الطوائف والأديان والقوميات، تُتداول علناً على مرأى ومسمعِ السلطات، بل غالباً بحمايتها أو بإيعاز منها، ما دامت الجهاتُ المحرّضةُ والمعتدية لا تُحاسَب ولا تُقدَّم إلى القضاء.
هنا يظهر أحد شيوخ السلطة مُعتلياً منبرًا دينيًا شمالي سوريا ليكفّر العلويين، وذلك قُبيل أحداث العنف التي شهدتها مدينة حمص وسط البلاد. تلك الأحداث انطلقت من حادثةٍ حملت طابعاً طائفياً لتنكر السلطة لاحقاً وجودَها، وتؤكد أن الحادثة تأتي في سياقٍ جنائي بحت، لكن بعد أن جرى ما جرى من اعتداءاتٍ وحالاتِ حرقٍ ونهب، طالت أحياءً تقطنها الطائفة العلوية في المدينة.
مشاهد خطاب الكراهية التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد ممكناً إحصاؤها، فهي جزءٌ من عمليةٍ منظمة يتصدّرها ما بات يعرف بمؤثري وسائل التواصل الاجتماعي، الذين يحصدون المزيدَ من المشاهدات والتفاعلات، كلما انحدروا وابتذلوا في خطابهم وكلما أساؤوا لخصوم السلطة، التي تُغدِق عليهم بالعطايا لتخصص لهم المؤتمرات وتفتح لهم المجال، حتى بات المشهد عبثياً إلى حد الحديث عن مؤثرٍ قد يجلس على “كرسي الرئاسة”.
خطاب الكراهية الذي يروّج له هؤلاء، وأغلبهم من حاملي الجنسيات الأوروبية والأمريكية، أصبح اليوم جزءاً من حالةٍ عامة. لكن خطورته تتفاقم مع انتقاله من الفضاء الافتراضي إلى الشارع، حيث بات السوريون يشاهدون حشودًا تهتف بشتائمَ طائفيةٍ ضد مكوناتٍ أخرى، في مشهدٍ غير مألوفٍ عن مجتمع انهكته الحروب خلال أربع عشرة سنةً من عمر النزاع، الذي لم يترك حجراً على حجر، ليأتي هؤلاء المنفلتون من المحاسبة ليضعوا نهايةً وخيمةً لهذا النزاع، الذي سيحرق الأخضر واليابس.
ويبقى السؤال مطروحًا: ما الذي تجنيه السلطة من تغذية خطاب الكراهية في البلاد، وهي التي تعهّدت في أكثر من مناسبة بمحاربته؟.. الإجابة ليست عصيةً على الفهم، فطالما كان الشارعُ منشغلاً بهذه القضايا، تواصل السلطة ترسيخ أركانها وتعزيز قبضتها على مفاصل الدولة الإدارية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، ولأثبات العكس فلتقم بمحاسبة هؤلاء المنفلتين والمحرضين.
تقرير: آلان عثمان
