في يوم الثلاثاء المصادف للثالث عشر من سبتمبر/أيلول من العام الماضي، شهدت العاصمة الإيرانية طهران حدثاً كتب فصلاً جديداً بتاريخ الاحتجاجات في إيران ضد السلطات الحاكمة، القائمة منذ وصول الخميني إلى السلطة في البلاد عام 1979، والذي شرع بممارسة التضييق على الحريات.


احتجاجاتٌ شهدت تأييداً من مختلف مناطق العالم، إذ وحّدت أصواتَ النساء بقيادة المرأة لحَراكها الذي استلهم من ثورة المرأة في شمال وشرق سوريا شعار “جن جيان آزادي” والذي اقتبسته المكونات الإيرانية بكل لغاتها ومن مختلف مشاربها، وكذلك الحركات النسوية من مختلف أصقاع العالم.
[lazy-load-videos-and-sticky-control id=”LNl1wpseoyA”]

مصر..ليلى موسى ـ ممثلة مجلس سوريا الديمقراطية في القاهرة


في ذاك الثلاثاء تعرَّضت ما تسمّى شرطة الأخلاق لشابةٍ كرديةٍ في ريعان شبابها تبلغ من العمر اثنين وعشرين عاماً، وتنحدر من مدينة سقز الكردية بمحافظة كردستان في إيران.
كانت جينا أميني رفقة أخيها عند محطة مترو في العاصمة طهران، عندما رآها شهودُ عيانٍ وهي تتعرض للضرب وتُقتاد إلى المعتقل بذريعة أنها لم ترتدي الحجابَ بشكلٍ صحيح.


بعد عدة ساعاتٍ في المعتقل نُقلت جينا إلى مشفى قصري بطهران، بعد سقوطها أرضاً ودخولها في حالة غيبوبةٍ استمرت لثلاثة أيام.
هذه الصورة التي نُشرت لجينا وهي طريحةُ الفراش في المشفى وفاقدةٌ للوعي، بينما تظهر آثارُ الكدمات على وجهها وجسدها، تؤكد أن الشابة قُتلت نتيجةَ الضرب المبرح، رغم ذلك أدلت السلطاتُ بأنباءٍ كاذبة، من بينها تعرضها لنوبةٍ قلبيةٍ في وقتٍ أكدت فيه عائلة جينا سلامةَ صحة ابنتها قبل تعرضها للاعتقال في تصريحها للإعلام، مُتهمةً الجهةَ التي اعتقلت ابنتها بقتلها.

تونس…نجاة عرعاري ـ باحثة في علم الجنسانية والنوع الاجتماعي

فقدت جينا حياتها في المشفى إثر الضرب، بعد أن فقد الأطباء الأملَ من عودتها للحياة بتاريخ السادس عشر من سبتمبر أيلول 2022، لجأ عناصر الأمن الإيراني إلى دفن الشابة الكردية تحت مراقبةٍ مشددةٍ في مسقط رأسها بسبب الحشود الغَفيرة التي قُدِّرت بالآلاف ورافقت الجنازة، فمع الإعلان عن فقدان حياتها عمّ الغضب وسائل التواصل الاجتماعي في البلاد.
قصة جينا المليئة بالظلم والقسوة أجَّجت مشاعرَ السخط لدى الشعب الإيراني، الذي ظهر للاحتجاج على سياسات الحكومة. ونُظمت أولى التظاهرات من قبل طلاب جامعات طهران وأصفهان، رغم محاولات الأمن العنيفة لفضِّها.
لكن تلك كانت البداية وحسب..



لبنان…مايا العمارـ ناشطة نسوية
خرجت أطيافُ المجتمع من مختلف انتماءاتها ومن مختلف طبقاتها وبقيادةٍ نسائيةٍ إلى الشوارع والساحات، إذ بدأت الاحتجاجاتُ من المناطق الكردية وسرعان ما اتَّسعت لتشملَ مدنَ طهران وباوه، وبانه، ومهاباد، ورشت، وسننداج، تعبيراً عن اعتراضها على سلوك ما تسمى بشرطة الأخلاق والمطالبة بالعدالة لجينا.

مصر…جوليت شاكر: ا.مساعدة قسم التاريخ والأديان في الجامعة الكاثوليكية وباحثة في الفتيكان

عندما أدركتِ السلطاتُ خروجَ الأمور عن سيطرتها وسَّعت من سلوك القمع وأسقطت ضحايا مدنيين واختطفت واعتقلت المتظاهرين بلا هوادة، ما دفع الأممَ المتحدة إلى الإعراب عن قلقها إزاء قمع السلطات.. ورغم العنف ازدادت حركةُ الاحتجاج قوةً وتوحَّدت في كل مناطق إيران بشعار “المرأة الحياة الحرية” مطلقةً بها صيحةَ موجةِ حركةٍ نسويةٍ جديدة تجوب إيران.

إيران….زيلان فجين: الرئيسة المشتركة لحزب الحياة الحرة الكردستاني
“هذه الثورة لأنها مبنيةٌ على فلسفةٍ وإيديولوجية، مبنيةٌ على فكرة تحرير المرأة والاقتداء بعلم المرأة الجنولوجيا وصاحبة تجربة لثورة المرأة في روج آفا، هذا ما جعل لهذه الثورة كل هذا التأثير، العديدُ من الثورات قامت في العالم، العديد من النضالات النسوية ظهرت كما ظهر العديدُ من القادة الذين أرادوا تحرير المرأة، لكن لا قائدَ ولا مرشدَ كالقائد آبو ناضلَ من أجل حرية المرأة وأسس إيديولوجيا واضحةً من أجل ذلك، وأسس نظامًا لها وقدم فلسفةً قائمة بذاتها من أجلها، فلسفةُ المرأة الحرية الحياة التي تشكل أساس فلسفة القائد في المجتمع الديمقراطي والثورة الشعبية الاجتماعية اليوم، لها دورٌ تاريخي وعميقٌ في نفوس نساء شرق كردستان ونساء إيران عامة، فنساء شرق كردستان من الأساس هُن صاحبات براديغما القائد من أجل بناء مجتمعٍ ديمقراطي إيكولوجي، يحقق الحرية للمرأة وبهذا المبدأ إنما قُدنَ ثورتهن وأثبتن وجودهن باتخاذ شعار المرأة الحياة الحرية المقتبس من فلسفة القائد أوجلان.”



الشعار الذي انطلق من شمال وشرق سوريا لم يتوقف عند حدود إيران، بل سافرَ عبر الحدود ورفعته النساء من كل مناطق العالم دعماً للثورة الإيرانية ومطالبها، إذ تصدَّرت بياناتُ التنديد صفحاتِ وسائل التواصل المرفقةِ بمقاطع فيديو مصورةٍ لنساء يقصصن شعورهن أو ينزعن الحجاب أو يعرضن مشاركاتهن في الاحتجاجات التضامنية في مناطقها مع الإيرانيات.

فلسطين….فاطمة عاشور ـ محامية وناشطة في حقوق المرأة
وبحسب مراقبين فإن هذه الاحتجاجات التي خرجت في إيران تتميزُ عن سابقاتها في أمورٍ عدة، من بينها، وهو أهمُّها الدورُ البارز الذي تؤدّيه المرأة في قيادة الحَراك، والنقطة الثانية هي التنوع الشعبي والثقافي الذي انتشرت في أوساطه هذه الاحتجاجات، التي لم تقتصر على المثقفين والعمال بل شملت كل الفئات، إضافةً إلى كونها لم تقتصر على المدن الكُبرى، بل حتى المدن الصغيرة تحوّلت لمراكزَ رئيسةٍ للاحتجاجات.
يتفق المراقبون على نقطة أن هذه الاحتجاجات التي سببت بالفعل صدمةً مفاجئةً للسلطات بسبب زخمها وقوتها، بحثت عن تغيراتٍ جوهريةٍ في الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية من بينها مدنيةُ الدولة، وإسقاط سلطة المرشد الأعلى، والمطالبة بالعدالة لقضية جينا، والحدُّ من صلاحيات ما تسمى بشرطة الأخلاق وإنهاء الانتهاكات التي تطال الإيرانيات.

الجزائر…فائزة مالك ـ رئيسة جمعية المرأة الجزائرية، المواطنة والوقاية


كردِّ فعلٍ دولي حيال ممارسات السلطات الإيرانية، تم في الرابع عشر من كانون الأول ديسمبر من عام 2022 تبني قرارٍ بإخراج إيران من لجنة وضع المرأة (CSW) للفترة المتبقية من ولايتها 2022-2026، وذلك خلال اجتماعٍ للمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، بعد أن حصل القرارُ على تأييد تسعةٍ وعشرين صوتًا مقابل معارضة ثمانية، وامتناع ستة عشر عضوًا عن التصويت. وكانت الولايات المتحدة هي من قدمت مسوَّدته.

العراق…زينب مزهر ـ عضو حركة بداية
موجة النسوية التي انطلقت من إيران إثر مقتل الشابة الكردية جينا أميني، والتي جابت العالم ووحدت اللوبيات النسوية في مؤتمرٍ دوليٍّ واحد، هي بحسب ناشطاتٍ امتدادٌ للحركة النسائية الأولى في إيران، والتي ظهرت مع نهاية القرن التاسع عشر عندما خرجت النساء إلى الشوارع أثناءَ الثورة الدستورية.
فمن تلك الحركة بدأت كثيراتٌ مشاريعَ اجتماعيةً كافتتاح مدارسَ للفتيات، وتأسيس مجلات نسائية، ورغم أنها بدأت في العاصمة طهران إلا أنها نفَذت إلى محافظاتٍ أخرى، ما أدى إلى تطور الحركة النسائية في البلاد وتوحيد أهدافها.


تلك كانت الثورة البيضاء التي منحت المرأة حق التصويت عام 1963، وهو استحقاقٌ حصّلته ربما للمرة الأولى امرأةٌ في الشرق الأوسط إلى جانب تحصيلها حقوقاً سياسيةً أخرى.
احتجاجاتُ ثورة “المرأة الحياة الحرية” التي أطلقها النشطاء على التظاهرات الشعبية التي اندلعت في إيران بقيادةٍ نسويةٍ إثر مقتل جينا، هي حدثٌ تاريخي يكرر نفسه بطريقةٍ أحدث، تواكب مستجدات العصر، ففي عام 1979 عندما انقلبت سلطة الخميني على المكتسبات الحقوقية للمرأة في إيران، اندلعت في الثامن من آذار الموافق ليوم المرأة العالمي احتجاجاتٌ مناهضةٌ لقرارات المرشد الأعلى آنذاك آية الله روح الله الخميني.
في ليلةٍ وضحاها تغيّر الواقع الاجتماعي في إيران إلى ما هو إبعادٌ وإقصاءٌ بحق المرأة مع اعتلاء الخميني منبَر القرار في قُم، عشية اليوم العالمي للمرأة مخاطباً الجموع أن المرأةَ دون حجابٍ تُعتبر “عارية” وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية.
هذا القرارُ كان كفيلاً بخروج الآلاف من النساء والرجال احتجاجاً، لكن منذ ذلك الحين والقوانينُ تصبحُ أكثرَ صرامةً حتى تعددت المؤسسات الموسومة بالضابطة التي تتكفل بالعقاب والتعذيب والإعدام لكل من يمارس حريته الشخصية، لأنها تُعارض قانون الحكومة.

سوريا….سهام داوود ـ الأمينة العامة لحزب سوريا المستقبل
منذ خمسة عقودٍ والإيرانياتُ يناضلن من أجل عين الحقوق، وها قد أخذَ زمام المعركة جيلٌ جديدٌ يرفض تكرار المأساة أيّاً كان الثمن، فقتلى التظاهرات لا يقلُّ عددُهُم عن أربعمئة وثمانية وأربعين متظاهرًا، فيما تجاوزَ عدد الجرحى العشرة آلاف، والمعتقلون ثمانيةَ عشر ألفاً ومئةً وخمسة وسبعين شخصًا، بينهم خمسُمئةٍ وتسعةٌ وأربعون طالبًا، حُكمَ على ثلاثة عشر منهم بالإعدام.

في 16تموز/ يوليو من العام الجاري أي بعد عشرة أشهرٍ على فقدان جينا أميني لحياتها، أعلن المتحدث باسم الشرطة سعيد منتظر المهدي إنهم سيقومون بتسيير دورياتٍ بالسيارات وسيرًا على الأقدام، من أجل تحذير ومعاقبة النساء اللواتي يواصلن عصيانَ قواعدِ اللباس.
يأتي هذا في حين فُرضت على النساء الموقوفات متابعةُ دروسٍ تُطلق عليها السلطات دروسٌ في علم النفس، فيما عوقبت أُخرياتٌ بتنظيف المستشفيات، ومُنعن من القيادة لمدة عامين.
