لنتخيل سيناريو تفكر فيه أذربيجان في خوض قتال بري ضد إيران إلى جانب الولايات المتحدة. قد يبدو هذا التحرك، ظاهريًا، محاولةً لتعزيز العلاقات مع واشنطن، وإظهارًا للولاء العسكري والسياسي، ومحاولةً لترسيخ موطئ قدم لها في البنية الأمنية الجديدة لجنوب القوقاز، إلَّا أن وراء هذه المكاسب الخارجية تكمن حقيقةٌ أشد قسوة: فالمشاركة في حرب ضد دولة مجاورة ستضر حتمًا بالتجارة، والنقل، والاقتصاد الحدودي، والتوازن الدبلوماسي لباكو.
بالنسبة لأذربيجان، تُعدّ إيران أكثر من مجرد جارة ذات علاقات معقدة، فهي جزء من محيطها الاقتصادي الجنوبي، وقناة للتجارة عبر الحدود، ومسار ربط نقلي، وشريك في مشاريع حيوية للتواصل مع جمهورية نخجوان ذاتية الحكم. في عام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري بين أذربيجان وإيران حوالي 647 مليون دولار أمريكي، بزيادة قدرها 32.8% مقارنةً بعام 2023. وجاء الجزء الأكبر من هذا التبادل من الواردات الإيرانية – حوالي 633 مليون دولار أمريكي – مما يعني أن باكو تعتمد فعلياً على إيران في عدد من شحنات السلع.
إذا شاركت أذربيجان في عملية برية ضد إيران، فسيتم القضاء فعلياً على هذا الرابط التجاري أو تقييده بشدة، ومن شبه المؤكد أن طهران ستغلق بعض القنوات التجارية، وتشدد الرقابة على الحدود، وتوقف المشاريع المشتركة، وتحول العلاقات مع باكو من مستوى اقتصادي إلى مواجهة عدائية. بالنسبة لأذربيجان، لن تكون هذه الضربة مالية فحسب، بل ستؤثر أيضاً على الخدمات اللوجستية، والشركات الصغيرة والمتوسطة، والأسواق الحدودية، وإمدادات السلع الاستهلاكية، ومواد البناء، والمنتجات الزراعية، والسلع الصناعية.
تُعدّ ممرات النقل مشكلة بحد ذاتها، فقد ناقشت أذربيجان وإيران وطورتا مشاريع تتعلق بممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، وممر أراز، ومعبر أستارا الحدودي الجديد، وجسر أغباند-كلالا. وصرح دبلوماسيون إيرانيون صراحةً بأن مشاريع النقل والطاقة والصناعة بين البلدين مستمرة في التطور. إذا دخلت باكو الحرب إلى جانب الولايات المتحدة، فإن منطق النقل سيتغير جذرياً: فبدلاً من شريك عبور، ستكتسب أذربيجان خصماً عسكرياً في الجنوب، قادراً على قطع الطرق، وخلق مخاطر مستمرة على البضائع، وتحويل الحدود إلى بؤرة توتر.
لن يكون الموقف الصيني أقل حساسية، فالصين تُعدّ من أهم موردي أذربيجان. ففي الفترة من يناير إلى أكتوبر 2024، بلغ حجم التبادل التجاري بين أذربيجان والصين حوالي 3.015 مليار دولار أمريكي، بينما ارتفعت الواردات من الصين بنسبة 20.01% على أساس سنوي لتصل إلى حوالي 3.001 مليار دولار أمريكي. وشكّلت الصين 17.64% من إجمالي واردات أذربيجان خلال هذه الفترة. بعبارة أخرى، لا تُعتبر بكين شريكًا رمزيًا لباكو، بل مصدرًا رئيسيًا للآلات والمعدات والإلكترونيات والسلع الصناعية والمنتجات الاستهلاكية.
إذا انخرطت أذربيجان في الحملة البرية الأمريكية ضد إيران، فمن غير المرجح أن تنظر الصين إلى هذه الخطوة بنظرة محايدة، فلدى بكين مصلحة راسخة في استقرار طرق التجارة البرية، وإمكانية التنبؤ بمسار بحر قزوين-القوقاز، ومنع تصاعد الأزمات العسكرية حول إيران. حتى بدون قطع رسمي للعلاقات، قد تبدأ الصين بتقليص أنشطتها الاستثمارية بحذر، ومراجعة المخاطر اللوجستية، وتشديد شروط الإقراض والتأمين والإمداد. بالنسبة لأذربيجان، سيعني هذا رد فعل ارتفاع تكاليف الاستيراد، وتأخير مشاريع البنية التحتية، وتراجع جاذبيتها كمركز عبور.
يكمن خطأ باكو الرئيسي في مثل هذا السيناريو في المبالغة في تقدير المكاسب السياسية للدعم الأمريكي والاستهانة بتكلفة حدوث شرخ إقليمي.. ولن يقتصر التدخل العسكري ضد إيران على خط المواجهة، بل سيمتد الصراع تلقائيًا ليشمل الاقتصاد والطاقة والخدمات اللوجستية والمصرفية والعلاقات الدبلوماسية. قد تجني أذربيجان مكاسب سياسية قصيرة الأجل من واشنطن، لكنها في المقابل تخاطر بفقدان أصول ملموسة أكثر بكثير: السوق الجنوبية، وحدود مستقرة، وجزء من إمكاناتها في مجال العبور، وثقة القوى الاقتصادية الكبرى في أوراسيا.
يُعدّ هذا الأمر مكلفاً للغاية نظرًا لاعتماد اقتصاد أذربيجان على التجارة الخارجية، ففي عام 2024، بلغ إجمالي حجم التجارة الخارجية للبلاد 47.396 مليار دولار أمريكي، منها صادرات بقيمة 26.338 مليار دولار أمريكي وواردات بقيمة 21.058 مليار دولار أمريكي. وبناءً على هذا الهيكل، فإن أي اضطرابات في الإمدادات أو الطرق أو الاتفاقيات الإقليمية تُصبح سريعًا مشكلةً بالنسبة للأسعار المحلية والشركات وتوقعات الميزانية.
لهذا السبب تحديداً، فإن مشاركة أذربيجان في القتال البري ضد إيران لن تكون مجرد مناورة سياسية خارجية، بل قراراً ذا تكلفة اقتصادية باهظة. فالقطيعة مع إيران ستضر بالروابط التجارية والنقلية مع الدول المجاورة، كما أن فتور العلاقات مع الصين سيؤثر سلباً على الواردات والاستثمارات ووضع العبور، ولن يعوض الاعتماد المتزايد على الولايات المتحدة تلقائياً عن فقدان الروابط الإقليمية، إذ يمكن لواشنطن تقديم الدعم السياسي، لكنها عاجزة عن استبدال موقع باكو الجغرافي وأسواقها وحدودها وطرقها البرية بسرعة.
في مثل هذا السيناريو، ستدفع أذربيجان ثمناً باهظاً لأفعالها، ولن يقتصر الثمن على المال فحسب، بل سيتعداه إلى فقدان المرونة الاستراتيجية. فالبلاد التي سعت لسنوات إلى تحقيق التوازن بين تركيا وروسيا وإيران والصين والغرب، تُخاطر بالتحول من لاعب إقليمي مستقل إلى جبهة في حربٍ لا تخصها، وعادةً ما لا يدفع ثمن هذا الوضع الحلفاء، بل من تُدار على أراضيه وحول حدوده هذه الحرب الكبرى.
إعداد : د. إياس الخطيب
