منذ استقلال سوريا عام 1946، عانى الكرد من تهميش الحكومات المتعاقبة على حكم البلاد، كما همشت مناطقهم والأحياء التي يتواجدون فيها في المدن الكبيرة كدمشق وحلب وغيرها، ذنبهم في ذلك اختلاف قوميتهم عن قومية الحاكم.

معاناة الكرد زادت أضعافاً مضاعفة مع استلام حزب البعث مقاليد الحكم في سوريا عام 1963، وانتهاج قادته سياسة تمييزية ضدهم، سياسة مبنية أساساً على دراسة أعدها الضابط البعثي محمد طلب هلال عن التحولات التي طرأت على القضية الكردية خلال قرن من الزمن، واقترح في ختامها مجموعة اقتراحات نفذها الحزب منتصف سبعينيات القرن الماضي.
ومنذ ذلك الحين باشرت السلطات وبشكل ممنهج تنفيذ ما عرف عند الكرد بـ “الحزام العربي” والذي منحت بموجبه آلاف الهكتارات من الأراضي لقرابة 4 آلاف عائلة عربية مستقدمة من محافظة الرقة، على خلفية غمر أراضيهم بمياه نهر الفرات إبان بناء السد عليه، وعرفوا فيما بعد في المنطقة بـ “المغمورين”.

وهكذا تغيرت أسماء المدن في محافظة الحسكة، فتحولت ديرك إلى المالكية، وجل آغا إلى الجوادية، وكركى لكى إلى معبدة، وتربسبية إلى القحطانية، وعلى ذلك قس، وترافق ذلك مع منع تدريس اللغة الكردية، أو التحدث بها في المؤسسات الحكومية، وحرمان الكرد من ممارسة طقوس الاحتفال بعيد النوروز، وهو العيد القومي بالنسبة لهم.

المنطقة سلمت بأسرها للسلطات الأمنية وللمسؤولين الحزبيين، الذين تناوبوا وتفننوا بانتهاك حقوق الكرد في أرضهم التاريخية، ومنعهم من أبسط حقوق المواطنة، ربما لإيمانهم بأنهم كلما زادوا في التنكيل بالكرد، زادت فرصهم بتولي مناصب أكبر في دوائر الحكم ضمن الحزب والدولة.

فلم تكتف الحكومات المعينة من قبل حزب البعث بالمماطلة بحل مشكلة الأجانب التي خلفها إحصاء عام 1962، بل زادت عليها بهضم حقوق الكرد، وعدم تنفيذ مشاريع كبيرة في مناطقهم، حتى باتت تبتعد بأشواط عن ركب المحافظات والمدن الأخرى، بالإضافة لطريقة تطبيق المسؤولين الحكوميين للقانون رقم 161 الخاص بالإصلاح الزراعي.
“حدد القانون 161 سقف الملكية وصادر المساحات الزائدة عن السقف المحدد في عموم سوريا، إلا أن طريقة تطبيق القانون في محافظة الحسكة، وتحديداً بالمناطق التي يسكنها الكرد تاريخياً في سوريا، ارتبطت بدوافع وغايات سياسية أثبتتها السنوات التالية للقانون وما تلاها من مشاريع، وتجلى ذلك بشكل واضح من خلال التعسف في الاستيلاء على أملاك الملاكين الكرد بشكل خاص وبنسبة أكبر من باقي المكونات ومنحها لعشائر عربية بشكل أساسي كانت تعيش في الجوار و/أو تم استقدامها لاحقاً من مناطق سورية أخرى”.

الفقرة السابقة منقولة عن موقع منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” ضمن تقرير يتحدث عن سياسة استخدام القوانين كأداة للاستيلاء على الأملاك من قبل الحكومات المتعاقبة في سوريا، إلى جانب تسليط التقرير الضوء على المشاريع التمييزية التي سعت من خلالها لتغيير ديمغرافية المنطقة التي يقطنها الكرد تاريخياً في سوريا.
توالت سياسة التهميش للكرد على مر العقود إلى أن صدر القرار رقم 334 في الثامن عشر من تموز/ يوليو عام 1998، والذي نص على تعريب أسماء القرى في محافظة الحسكة، وتجريدها من أسمائها الكردية التاريخية، وهو ما أدى لتغيير اسم أكثر من مئتي قرية في المحافظة.
ولم يقتصر التعريب على أسماء المدن والقرى، بل طال كذلك يافطات المحال التجارية، ووصل الأمر حتى إلى أسماء الأشخاص، إذ منع الكثير من تسمية أبنائهم أسماء كردية، أو أسماء تحمل دلالات قومية خاصة بالكرد، وكان تقييم الأمر يعود لتقدير موظف دائرة الأحوال الشخصية، بالموافقة على الاسم من عدمه.
واستمر الأمر على ما هو عليه وإن بدرجات متفاوتة، فباتت جولات العناصر الأمنية على المنازل في عموم مدن وقرى محافظة الحسكة أمراً واقعاً، زيارات كانت غايتها ثني الآباء بالإكراه لتغيير أسماء أبنائهم.

وبعد مرور 14 عاماً تماماً على القرار 334، جاءت ثورة التاسع عشر من تموز/ يوليو عام 2012 في مناطق شمال وشرق سوريا، ليتغير الحال من حال إلى حال، ولتكون تلك الثورة النواة الأولى لتأسيس الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا عام 2014، والتي كان من أولوياتها إحياء اللغة الأم لمكونات المنطقة، وإعادة أسماء المدن والبلدات والقرى إلى سابق عهدها قبل تعريبها من قبل الحكومات السورية منذ عهد الاستقلال.
الإدارة الذاتية بدأت بتدريس المناهج باللغات الأم الكردية والعربية والسريانية وفق مناهج تحترم تاريخ مكونات المنطقة دون تزييف أو تدليس، وباشرت فيما بعد بوضع شاخصات مرورية على الطرق وعلى مداخل المدن تدل على المدن والبلدات والقرى بأسمائها التاريخية.

وهكذا صُحح التاريخ وعاد كما كان، فنفضت ديرك وتربسبية وجل آغا وكركى لكى وغيرها الكثير من البلدات والقرى غبار التعريب، الذي ألصق بها عنوة، بقرارات بعثية عبثية، في سبيل تغيير هوية المنطقة ومحو تاريخها,
المشروع البعثي فشل فشلاً ذريعاً، خاصة مع إصرار الكرد على التحدث بلغتهم، وتعريف القرى بأسمائها الحقيقية، وتسمية أبنائهم بأسماء كردية رغم كل التضييق الذي لاقوه من الأجهزة الأمنية والتهديد بالاعتقال.
ما سبق هو غيض من فيض انتهاكات الحكومات السورية منذ عهد الاستقلال للحقوق الكردية، تجريد شعب كامل من هويته، ومن ثقافته، ومن تاريخه، كل ذلك يضاف إلى حرمان الكرد من العمل السياسي بحرية، والتضييق عليهم، بالاعتقال حيناً، وبالمنع أحياناً أخرى.
في كل محنة عاشها الكرد عبر التاريخ، كان هناك مقاومة بطريقة ما، لم يستكن الكرد مطلقاً لمن يظلمهم، يكظمون الغيظ، نعم، ويصبرون، نعم، فإيمانهم بأن في نهاية كل نفق مظلم هناك نور قادم، لا يتزعزع، ولا ينكسر.
