في إطار القلق الرئاسي الأمريكي من جمود الملف الإيراني، وعلى إثر اجتماع ترامب بمسؤوليه، بخصوص هذا الشان، سبقت إشارتنا إلى عدم دقة معلومات مؤسسة الاستخبارات الأمريكية، التي لا تنفصل عن التنسيق مع مثيلتها الإسرائيلية في صورة تظهر مساحة الانشقاق بين هاتين المؤسستين من جهة، وكلِّ جهةِ وعناصرِ الإدارةِ العليا التي تعتمد عليها من جهة ثانية في عدة صور، لا تتوقف عند حد الخطأ الفادح في تقديرات دخول الحرب، وكيفية الفوز بنصرها، بل وصل هذا التضارب إلى حد قلب السحر على الساحر.
في الوقت الذي حاول فيه ترامب شقّ صف الخصم الإيراني بعدة محاولات، كان آخرها تصريحاته حول عدم وجود مسؤولين يمكن التحدث معهم، وجد نفسه غارقاً في مستنقع الخلافات بين مسؤوليه، في صورة لم تتوقف عند حد خلق مهمة صعبة له بتحقيق توازن يجمع التأليفَ الضَّروري بين هؤلاء، وضَرورةَ الاختلاف الذي يسمح بطرح عناصر خطط اتخاذ القرار كاملة. لقد برز أمام ترامب عائقٌ آخر لم يكن بالحسبان، يحتّم عليه التردّد كثيراً قبل البَدءِ بعملٍ عسكري جديد، يتمكن به من إنهاء أزمة إيران كاملةً، أو حتى أزمة مضيق هرمز فقط. لم يعد مصدر التردد هذا حسابات قوة الخصم، بل أضيف إليها عدمُ تماسكِ قوةِ الهجوم التي يتمتع بها ترامب، أو ربّما وهن هذه القوة أمام هذه الاعتبارات.
ظهرت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي الأخيرة حول المعلوماتِ غيرِ الحقيقية التي بالغت في تقدير الإيجابية، وَفقاً لما كان يفيد وزير الحرب هيغسيث ورئيس الأركان دان كين، والتي وصلت إلى حدِّ ” التضليل ” وفقاً لفانس. كانت هذه المحطة واحدةً من محطات تشتت ترامب، الذي حاول إبعاد تأثير شقاقٍ كهذا بتصدير أزمته إلى جهة التراجع عن إرسال وفده إلى باكستان من جهة، وإبعاد فانس قليلاً من جهة ثانية، ريثما يتمكن ترامب من التقاط أنفاسه، ليتحوّلَ بعد ذلك إلى ابتكار فكرة جديدة يمكنه معها لحلحةَ الجمود الحاصل بفعل ارتفاعات درجة حرارة تصريحاته.
لكنَّ تهاوي هذه الآمال أمام حوادثَ مفاجئة عدة، آخرُها حادثةُ إطلاق النار، كان عاملاً مهماً في تثبيت حقيقة لدى ترامب، مفادها أنه يعمل وحيداً، ليس هذا فحسب، بل إنّه محاطٌ بحشدٍ من مسؤولين لا يدركون، سواءٌ بقصدٍ أو غيرِ قصد، ما يفعلون. إنهم يفوزون دائماً بنتائج معاكسة لرغبات الرئيس، هذا كله ليس بالأمر الهام أمام قدرة التعامل الإيراني، مع مشهدٍ كهذا يمنحه قدرةَ عرقلةِ أيِّ محاولة، لا لتسيير الأمور فقط، بل مجرّد تدبير عمليةِ انسحاب، يحاول ترامب من خلالها ترتيب أوضاعه.
لقد تمكّن قلقُ ترامب هذا من قذف عددٍ لا يُستهان به من كبار مسؤوليه المدنيّين و العسكريّين من قارب، يبدو لترامب أنه في أحسن الأحوال، لم يعد يبحر جيّداً، ليستِ المشكلةُ متوقفةً عند هذا الحد، بل تطال كلَّ فكرة لإحراز تقدمٍ عسكريٍّ بضربةٍ مفاجئةٍ مباغتة، تشكل خطوة الى الأمام، يمكن من خلالها إذابة جمود هذا المصير، باعتبار أنّ عمليةً كهذه لن يشكل العملُ الاستخباراتي الذي تبيّن عدمُ دقّتِه، عمودَها الرئيسَ فحسب، بل فوق ذلك عينها التي تنظر، وأذنها التي تسمع.
إن محاولةً كهذه في ظلِّ القناعاتِ المتأخرة حول مرتكزاتِ قرار التعسكر خلف عمليةٍ تحسم حرب إيران تشكل بحقّ مخاطرةً بالانتحار.
الكاتب : د . راشد الشاشاني

