تظلُّ حالة عدم الاستقرار الأمني في سوريا من أبرز الملفّات التي تفرضُ نفسها على المشهد العام، في ظلِّ تعقيد التداخلات الميدانية وتشابك الفاعلين المحليين والدوليين. ومع استمرار التوترات في عدة مناطق، يبرز نشاط الجماعات المسلّحة كأحد المؤشرات التي تعكس هشاشة الوضع الأمني وصعوبة فرض استقرار طويل الأمد في البلاد.
وفي هذا السياق، أفاد تقرير للمرصد السوري لحقوق الإنسان بأن مناطق عدة في سوريا شهدت خلال الأشهر الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الهجمات التي يتبناها تنظيم “داعش الإرهابي”، في ظلِّ مؤشرات متزايدة على توسع نطاق عملياته الجغرافية وانتقالها من مناطق نشاطه التقليدية في البادية السورية وشرق البلاد إلى مناطق جديدة، من بينها العاصمة دمشق ومحيطها.
تقرير المرصد الحقوقي ذكر أنه خلال السنوات الماضية، تركزت غالبية هجمات التنظيم في مناطق شمال وشرق سوريا، ولا سيما ضمن مناطق نفوذ “الإدارة الذاتية”، حيث وثّق المرصد تنفيذ مئتين وإحدى وأربعين عملية خلال عام ألفين وخمسة وعشرين، إلا أن عام ألفين وستة وعشرين شهد تحولاً في نمط الهجمات، مع تبني التنظيم عمليات في مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة السورية الانتقالية، استهدفت شخصيات دينية وعناصر أمنية وعسكرية، ما يعكس تغيراً في طبيعة تحركاته وانتشاره.
ومن ذلك ما أعلنه التنظيم الإرهابي في الأول من أيار عن مسؤوليته عن عملية اغتيال استهدفت “فرحان منصور”، عضو الهيئة العلمائية للطائفة الشيعية وخطيب الجمعة، في منطقة السيدة زينب بريف دمشق، وذلك عبر إلقاء قنبلة يدوية داخل سيارته عقب خروجه من المقام.
كما تبنى التنظيم خلال شهر أيار عدة هجمات أخرى استهدفت عناصر من الأمن العام ووزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية في محافظتي دير الزور والحسكة، من بينها كمين استهدف حافلة عسكرية غرب صوامع العالية في ريف الحسكة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.
ويشير اتساع نطاق الهجمات باتجاه مناطق جديدة، بما فيها العاصمة دمشق، إلى استمرار قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات متفرقة وخاطفة رغم خسارته لمناطقه الرئيسة في سوريا خلال السنوات الماضية، كما يعكس استهداف شخصيات ذات طابع ديني وطائفي محاولات لإعادة ترسيخ حضوره الأمني والإعلامي داخل المشهد السوري.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تراجع وتيرة العمليات المشتركة ضد التنظيم سواء من قبل “التحالف الدولي” أو القوات التابعة للحكومة الانتقالية، إلى جانب انشغال الأطراف الدولية والإقليمية بأزمات أخرى في المنطقة، ما يمنح خلاياه هامشاً أوسع للحركة، خصوصاً في المناطق الصحراوية والريفية الممتدة بين دير الزور والرقة وحمص.
وبحسب البيانات الموثقة لدى المرصد السوري لحقوق الإنسان، بلغ عدد الهجمات التي تبناها التنظيم منذ السابع عشر من شباط/فبراير ألفين وستة وعشرين وحتى تاريخ إعداد هذا التقرير سبعة وأربعين هجوماً، أسفرت عن مقتل تسعة وثلاثين شخصاً من المدنيين والعسكريين.
