كلما تضيق حلقات السلسلة على رئيس النظام التركي رجب أردوغان، تراه يلجأ إلى القضاء الذي يواليه ولا يخالف هواه منذ استلام حزب العدالة والتنمية زمام الحكم في تركيا مطلع الألفية الجديدة.
ولم تخذل مؤسسة القضاء أردوغان طيلة السنوات الماضية قط، إذ كانت أداة طيعة بيده، حتى باتت كالسوط يضرب به معارضيه بمشارق تركيا ومغاربها.
وكانت الأشهر التالية لحادثة الانقلاب المزعوم صيف عام 2016، أحد أكبر الأدلة على ذلك، إذ عجت محاكم النظام وما زالت بقضايا فصل الموظفين والعسكريين، لا لشيء، فقط لتحقيق رغبة أردوغان في البقاء والتفرد بالسلطة.
ومع اقتراب الموعد المحدد لإجراء الانتخابات العامة في تركيا في حزيران/ يونيو العام المقبل، ومع ظهور منافسين محتملين لأردوغان، ما كان على الأخير إلا اللجوء إلى القضاء ليبعد أحدهم عن طريق كرسي الحكم لسنوات جديدة.
أكرم إمام أوغلو رئيس بلدية إسطنبول والعضو في حزب الشعب الجمهوري المعارض، هو الاسم الجديد الذي يخشاه أردوغان ومن خلفه حزب العدالة والتنمية، كيف لا وهو الذي أزاح الحزب عن رئاسة بلدية إسطنبول التي كانت الرئة التي تتنفس منها حاشية أردوغان، فمن يحكم المدينة، يحكم تركيا، قول مأثور هناك، وهو كذلك إلى حد كبير.
الأسبوع الفائت صدحت الوكالات الإعلامية بخبر مفاده أن المحكمة الجنائية البدائية في إسطنبول التابعة للنظام التركي قضت بحبس إمام أوغلو سنتين وسبعة أشهر مع حظره من العمل السياسي لسنوات أخرى بعد قضاء العقوبة، ما يعني فعلياً حرمانه من الترشح لمنصب الرئاسة.
معظم المراقبين للشأن التركي إن لم نقل الجميع رجّحوا وقوفَ أردوغان خلف الحكم في هذا التوقيت بالذات، كيف لا وهو له سوابق في ذلك، إذ ما زال صلاح الدين ديمرتاش الرئيس المشترك السابق لحزب الشعوب الديمقراطي المعارض قابعاً في السجن منذ عام 2016، لأنه كان من المرشحين لإسقاط أردوغان.
ربما اختلفت التهم التي أكيلت لإمام أوغلو عن التهم التي ألصقت بديمرتاش في شكلها، لكن في جوهرها كان هناك رابط مشترك بينهما، وهو توجس أردوغان من مكانة هذين الشخصين في المجتمع، وزيادة شعبيتهما، إذ كان ديمرتاش السياسي الكردي أحد أبرز معارضي أردوغان ومنافسيه المحتملين في انتخابات 2018، وهو ما ينطبق تماماً في حالة إمام أوغلو.
تخوف أردوغان لم يأت من عدم، فاستطلاعات الرأي المنشورة تباعاً في تركيا، أظهرت تراجعاً كبيراً في شعبيته وشعبية حزبه، وربما الوصف الأدق وفق مراقبين هو تهاوي شعبيته إلى الدرك الأسفل من التوقعات.
فهل ستدور الدوائر على أردوغان ومخططاته كما يرجح المراقبون، الذين يتوقعون أن ينقلب السحر على الساحر، ويعود قرار سجن إمام أوغلو بأثر رجعي على أردوغان.
فربما ينجح الأخير بتمرير الحكم وتنفيذه على المدى القصير، كما نجح في السابق بتمرير الحكم على ديمرتاش، لكن على المدى الطويل كل السيناريوهات متاحة وكلها قابلة للتحقيق.
صلاح الدين ديمرتاش ورفاقه من المعارضين للنظام التركي، ربما خسروا معركة في الأمس، لكنهم لم يخسروا الحرب، فالعبرة في الخواتيم.
