بعد أن باتت سياسةُ رئيس النظام التركي معروفةً بالتذبذب والاضطراب وغيرِ الاستقرار، أدّى ذلك إلى انخفاض شعبيته، وانعكس سلباً على الواقع الداخلي في تركيا، ولا سيما الوضع الاقتصادي، الذي بات يواجه تحدياتٍ كبيرةً بالتوازي مع انهيار قيمة الليرة التركية.
أردوغان تعرّض لانتقاداتٍ عنيفةٍ من أحزاب المعارضة وإعلامها، بسبب زيارته للقاهرة ولقائِهِ الرئيسَ المصري عبد الفتاح السيسي، ودعوته لزيارة أنقرة في نيسان/أبريل القادم بعدما حمّلته مسؤوليةَ الفشل الذريع في السياسة الخارجية، ليس مع الدول العربية فحسب، بل مع جميع دول العالم أيضاً.

هذه الزيارة للقاهرة ترتّبت عليها تنازلاتٌ من قبل أردوغان، ولا سيما في ملف جماعة الإخوان، حيث عمد نظامُهُ إلى ترحيل عددٍ منهم، وسحب الجنسية من آخرين، في حين تظل هناك تنازلاتٌ أخرى غير مُعلنة.
المعارضة التركية ذكّرت أردوغان بكل ما قاله عن السيسي، الذي أطاح في تموز/يوليو ألفين وثلاثة عشر، بحكم الإخوان المسلمين ومحمد مرسي لمصر، إذ وَصف أردوغان السيسي “بالديكتاتوري والمستبد والانقلابي والقاتل”، وقال إنه “لن يلتقيه ما دام على قيد الحياة”، إضافةً لمعايرته له في المحافل الدولية كنظامٍ انقلابيٍّ يفتقد الشرعية، وهو الموقف الذي اتخذه أردوغان ضد رئيس الإمارات محمد بن زايد وولي العهد السعودي محمد بن سلمان ونتنياهو، الذي التقاه في العشرين من أيلول/سبتمبر الماضي في نيويورك.
مراقبون اعتبروا أن أردوغان يحاول في زيارته لمصر الحصولَ على صكِّ أمانٍ لتلميع صورته الداخلية، في ظل سيناريوهاتٍ محتملةٍ لموجة غضبٍ في ظل الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية الصعبة التي تمرُّ بها البلاد.
شبكةُ “بلومبيرغ” الأمريكية اعتبرت أن ذوبان الجليد الدبلوماسي بين مصر وتركيا، يُعدُّ جزءًا من مساعي النظام التركي لتطبيع علاقاتِهِ في الشرق الأوسط، خاصةً أنه يسعى لجذب الاستثمارات من دولٍ مثل الإمارات والسعودية. وذلك لترميم الاقتصاد الذي تسبّب في انهياره.
وبالنسبة لخلاف مصر مع تركيا فيما يتعلق بليبيا، فقد تصاعد التوتّر عام 2020 عندما أرسل النظامُ التركي جنودًا ومرتزقةً تابعين له، وطائراتٍ مُسيّرةً لمحاربة الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، الذي تدعمُهُ مصر بشكلٍ خاص، واعتبر السيسي تدخل تركيا تهديدًا صارخًا للأمن القومي المصري.
وإضافةً إلى التدخل العسكري للنظام التركي في ليبيا، غضبت مصر من مذكرة تفاهمٍ تم توقيعُها في الثالث من أكتوبر ألفين واثنين وعشرين، بين أنقرة وحكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، بشأن التعاون في مجال الهيدروكربونات، كما اعتبرت القاهرةُ أن مذكرةَ التفاهم الموقعة بين حكومة الوفاق الوطني السابقة، وبين أنقرة، بشأن التنقيب عن النفط والغاز في المتوسط “غيرُ قانونية”.
وضاعفت مذكرةُ التفاهم التوترَ بين النظام التركي وبين مصر، كونها جاءت بعد ثلاث سنواتٍ فقط على إبرام اتفاق ترسيمِ الحدود البحرية التركية الليبية المثير للجدل، في ألفين وتسعة عشر، والذي أثار حفيظةَ الاتحاد الأوروبي حينها أيضًا.
مهما قام به أردوغان من مصالحاتٍ مع الدول العربية، ومهما قدّم من تنازلاتٍ في ملف الإخوان، فإنه لن يتخلّى عن سياسته القائمة على نشر الفوضى في المنطقة، وإلا لماذا ما يزالُ محافظًا على استمرار العلاقة مع الإخوان وفصائلهم المسلحة في كلٍّ من سوريا وليبيا؟
