لكل قضية في هذا الوجود على مر العصور، رمزية وأبطال وكذلك متاجرون بها، فلا الرمزية تسقط بالتقادم، ولا الأبطال تنساهم الذاكرة، ولا المتاجرون يفنون.
في خضم الأحداث التي يشهدها قطاع غزة في فلسطين، عاد الحديث عن القضية الفلسطينية إلى الواجهة مجدداً، بعد زمنٍ سيطرت فيه الحرب الروسية الأوكرانية على نشرات الأخبار في جل وسائل الإعلام العربية والعالمية.
هجوم حركة حماس الفلسطينية على مستوطنات غلاف غزة، في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، وقتلها أكثر من 1000 شخص، جاء بعواقب وخيمةٍ على سكان القطاع المدنيين، بعد القصف الإسرائيلي المستمر منذ ذلك الحين وإلى الآن، والذي استهدف البنى التحتية في القطاع، بل استهدف كل مظاهر الحياة في هذا المكان الضيق الذي يضم أكثر من مليوني فلسطيني.
وكما أسلفنا سابقاً، مع عودة الحديث عن فلسطين وقضيتها، واختلاف وجهات النظر حول الحقوق بينها وبين إسرائيل، برز على السطح كذلك المتاجرون بالقضية الفلسطينية وعلى رأسهم رئيس النظام التركي رجب أردوغان، الذي وكّل نفسه لحمل لواء حماية الحقوق الفلسطينية، وهو أول من ينكرها لو دارت الدوائر عليه.
أردوغان هو خير مثالٍ على المتاجرة بالقضية الفلسطينية، وفق مراقبين، فمع بدء الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، دعا في أولى تصريحاته بضرورة ضبط النفس من قبل جميع الأطراف، رغم عدم توازن القوى بين إسرائيل وحماس التي تسيطر على القطاع.
وبعد مرور أيامٍ قليلةٍ على هذا التصريح، أكدت وسائل إعلامٍ إسرائيلية وصول سفينةٍ تركيةٍ إلى ميناء حيفا، محملةٍ بقرابة خمسة أطنان من الخضروات، ورغم نفي مسؤولي النظام التركي لهذا الخبر فيما بعد، إلا أن الخبر بحد ذاته لم يكن غريباً على مسامع الجمهور العربي، الذين خبروا طريقة تعامل أردوغان مع الأزمات، فالصراع في سوريا وليبيا وكذلك أوكرانيا خير شاهدٍ على ذلك.
ومع تزايد زخم القصف الإسرائيلي للمنشآت العامة في قطاع غزة، دعا أردوغان تل أبيب إلى وقف هجماتها على القطاع، والتي وصفها بأنها ترقى إلى حد التطهير العرقي والإبادة الجماعية.
أردوغان عندما وجّه ذلك الطلب، نسي أو تناسى بأن القصف الإسرائيلي في غزة يتقاطع ويتشابه في كثيرٍ من الأمور مع القصف الذي نفّذه جيش بلاده مطلع الشهر الحالي في شمال وشرق سوريا، وخلّف عشرات الضحايا، وخسائر مادية تجاوزت المليار دولار أمريكي، وفق مسؤولين في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.
وعندما سعت مصر لتنظيم مؤتمرٍ دولي يسعى لوقف إطلاق النار في القطاع، وكبح جماح الموت الذي استشرى بين المدنيين الفلسطينيين، رفض أردوغان المشاركة فيه، واكتفى بإرسال وزير خارجيته، ليتسنى له ممارسة خطابه الشعبوي في تركيا، بدعوته لتنظيم ما سماه بـ “مؤتمر القدس الجماهيري”، والذي يهدف لحشد أكبر عددٍ من أنصاره في مطار أتاتورك بإسطنبول، في الثامن والعشرين من الشهر الحالي.
خطاب أردوغان نحو القضية الفلسطينية الذي تغير ومال إلى الحياد بعد الشعارات الرنانة التي كان يطلقها، ما هو إلا نزعٌ للقناع عن الوجه الحقيقي لأردوغان، الذي لا يترك ملفاً أو أزمةً إلا ويسعى للفوز منها، حسب رؤية البعض، ورغم هذا تبقى القضية الفلسطينية أسمى من أن يتاجر بها من فلان أو علان، أو أن يقايض بها في بازارات المصالح السياسية بين الدول.
