في دمشق، لا تحتاج إلى تقريرٍ اقتصادي كي تفهم شكل الأزمة. يكفي أن تقف صباحًا قرب موقف سرفيس، أو داخل فرن، أو أمام صرّاف آلي، أو في سوق شعبي بعد الظهر. هناك، لا يتحدث الناس عن “الانتقال السياسي” بوصفه مفهومًا نظريًا، بل عن أشياء أكثر مباشرة: كم بقي من الراتب بعد أسبوع؟ كم ساعة كهرباء وصلت فعلًا؟ هل نشتري اللحمة أم الدواء؟ هل ندفع فاتورة الكهرباء أم نؤجل دين الدكان؟ هذا هو الاقتصاد الحقيقي في سوريا اليوم: ليس ما يُكتب في بيانات الوزارات، بل ما يقرره ربّ الأسرة عندما يوزّع عجزه على أيام الشهر. وفي بلدٍ تقول فيه الأمم المتحدة إن نحو 90% من السكان يعيشون في الفقر، وتقول فيه تقارير حديثة إن الكهرباء الحكومية لا تصل في كثير من المناطق إلا ساعتين أو ثلاث ساعات يوميًا، يصبح أي كلام رسمي عن “التعافي” خاضعًا فورًا لاختبار الشارع، لا لاختبار المؤتمرات.
منذ سقوط بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، تحاول السلطة الجديدة أن تصوغ لنفسها رواية مختلفة: دولة تخرج من الحرب، وتعيد تشغيل المؤسسات، وتستعيد الشرايين المصرفية، وتفتح الباب أمام الاستثمار، وترفع الأجور، وتعد الناس بأن الأسوأ صار وراءهم. هذه الرواية ليست دعائية بالكامل؛ ففي فبراير/شباط 2026 قال صندوق النقد الدولي بعد زيارة فريقه لدمشق إن برنامج انخراطه يهدف إلى دعم جهود السلطات في إعادة تأهيل الاقتصاد السوري ومؤسساته الاقتصادية الأساسية، بما في ذلك وزارة المالية والبنك المركزي والإحصاءات. كما تحركت قنوات الدعم الخارجي وخفت العزلة تدريجيًا، من تسديد ديون مستحقة للبنك الدولي إلى توسع التعاون مع تركيا، إلى تخفيف أوروبي وأمريكي لبعض العقوبات خلال 2025. لكنّ السؤال الذي يهم السوري العادي ليس ما إذا كانت الحكومة تتحرك، بل: هل تنعكس هذه الحركة على الحياة اليومية، أم تُستخدم لتلميع صورة السلطة أسرع مما تُصلح الواقع؟
الموازنة هنا ليست مجرد أرقام. في أي بلد خارج من حرب طويلة، تتحول الموازنة إلى وثيقة سياسية بقدر ما هي وثيقة مالية. حين تعلن الدولة موازنة أكبر، فهي لا تقول فقط إنها ستنفق أكثر، بل تقول أيضًا إنها استعادت القدرة على التخطيط، وعلى تنظيم أولوياتها، وعلى مخاطبة الداخل والخارج من موقع “الدولة التي عادت” لا “السلطة التي تدير الخراب”. لهذا السبب اكتسبت موازنة 2026 وزنًا يتجاوز معناها المحاسبي. صندوق النقد تحدث عن دعم للإصلاح المؤسسي والمالي، فيما تداولت تقارير اقتصادية رقمًا يقارب 10.5 مليارات دولار للموازنة، مع تركيز على الإنفاق الاجتماعي والأجور والبنية التحتية. لكن التجربة السورية تجعل أي رقم كبير يثير سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام توسع مالي فعلي مستدام، أم أمام سردية دولة تريد أن تبدو أقوى مما تسمح به قواعدها الاقتصادية الحالية؟
ذلك أن الاقتصاد السوري، حتى بعد سقوط النظام السابق، لم يخرج من غرفة الإنعاش. رويترز ذكرت في مايو/أيار 2025 أن احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي كانت بحدود 200 مليون دولار نقدًا فقط، بعدما كانت تقدَّر قبل الحرب بنحو 18.5 مليار دولار، مع وجود نحو 26 طنًا من الذهب. وفي تقرير آخر في يناير/كانون الثاني 2025، أشارت رويترز إلى أن الاقتصاد السوري انكمش بنحو 84% بين 2010 و2023 وفق تقديرات البنك الدولي، وأن أكثر من 90% من السوريين كانوا يعيشون تحت خط الفقر. هذه الأرقام لا تعني فقط أن البلد فقير؛ بل تعني أن أي حكومة جديدة تبدأ من أرضية مكسورة للغاية: مؤسسات منهكة، عملة هشّة، إنتاج ضعيف، احتياطات محدودة، وشبكات اعتماد واسعة على المساعدات والتحويلات والأسواق غير الرسمية. لذلك، حين تتحدث السلطة عن “التعافي”، فهي لا تتحدث من نقطة بداية عادية، بل من قاع عميق جدًا.
من هنا يمكن فهم لماذا اختارت السلطة ملف الرواتب بوصفه أول اختبار مباشر لعلاقتها بالمجتمع. في 5 يناير/كانون الثاني 2025، نقلت رويترز عن الحكومة السورية المؤقتة وعدًا برفع رواتب موظفي القطاع العام بنسبة 400%، مع الإشارة إلى أن الراتب الشهري في عهد الأسد كان يدور حول 25 دولارًا فقط، أي تحت خط الفقر بوضوح. كما ذكرت أن كتلة الرواتب بعد الزيادة ستبلغ نحو 120 مليون دولار شهريًا، وأن عدد العاملين على كشوف الدولة يزيد على 1.25 مليون شخص. وبعد ذلك بأشهر، في 31 مايو/أيار 2025، أعلنت السعودية وقطر تقديم دعم مالي مشترك لموظفي الدولة السورية لمدة ثلاثة أشهر، بعد أن كانت رويترز قد أشارت في 7 يناير/كانون الثاني 2025 إلى دور قطري محتمل في المساعدة على تمويل زيادة الأجور. سياسيًا، هذه الخطوات مفهومة تمامًا: الرواتب في سوريا ليست مجرد بند إداري، بل مقياس لحرارة الشارع. فإذا شعر الموظف أن الدولة الجديدة خففت قليلًا من الإهانة اليومية، ربما يمنحها وقتًا إضافيًا.
لكن المشكلة أن زيادة الراتب في سوريا لا تُقاس بالرقم الاسمي، بل بما يستطيع الراتب شراءه في السوق. وهنا تبدأ الفجوة بين البيان الرسمي والحياة الفعلية. لأن الموظف السوري، حتى بعد أي زيادة، لا يعيش في اقتصاد مستقر، بل في اقتصاد يلتهم الزيادات بسرعة. هو لا يتلقى راتبًا ثم يبني عليه خطة شهرية هادئة؛ بل يتلقى راتبًا يدخل البيت محمولًا على عجز سابق، وعلى ديون متراكمة، وعلى أسعار تتحرك أسرع منه. ولهذا تسمع الجملة نفسها تتكرر بصيغ مختلفة في الشارع: “الزيادة راحت قبل ما توصل”. ليست هذه مبالغة بلاغية. هي وصف لطريقة عمل الأزمة: ترتفع الأجور قليلًا، فتبتلعها كلفة المعيشة، أو تعرفة النقل، أو فاتورة الكهرباء، أو سعر السلع الأساسية، أو أجور البدائل التي يدفعها الناس لتعويض غياب الخدمات العامة. والنتيجة أن الزيادة قد تُبطئ الانهيار، لكنها لا تعني بالضرورة أن الحياة صارت محتملة.
ثم هناك الوجه الآخر الأكثر قسوة في سياسة الرواتب: إعادة هيكلة القطاع العام. ففي 31 يناير/كانون الثاني 2025، ذكرت رويترز أن الحكومة الجديدة تمضي في إصلاح اقتصادي يتضمن تسريح نحو ثلث العاملين في القطاع العام وخصخصة عدد من الشركات الحكومية، وأن وزير المالية قال إن مراجعة أولية أظهرت أن نحو 400 ألف اسم من أصل 1.3 مليون على كشوف الرواتب قد يكونون “أسماء وهمية” أو لا يداومون فعليًا. من زاوية الإدارة العامة، يمكن تقديم هذا بوصفه محاولة لتنظيف الجهاز الإداري من الفساد والترهل. لكن من زاوية الشارع، تبدو الصورة أقل نظافة: زيادة رواتب هنا، وخوف من فقدان العمل هناك. والناس لا تقرأ الإصلاح من كتب الاقتصاد، بل من باب المؤسسة التي قد تُسرّحهم، أو من المنزل الذي قد يفقد دخله الوحيد. لهذا السبب لا يُستقبل ملف الأجور وحده كخبر جيد، بل كجزء من معادلة ملتبسة: الدولة ترفع الرواتب، لكنها في الوقت نفسه تقلص عدد من يتقاضونها.
في الأحياء الدمشقية، وفي مدن أخرى كثيرة، حين تسأل موظفًا عن معنى “تحسن الراتب”، لا يجيبك بالأرقام، بل بقائمة احتياجات. يقول لك: المواصلات، الخبز، الغاز، الدواء، أقساط المدرسة، اشتراك الإنترنت، ثم الكهرباء. الكهرباء تحديدًا صارت في سوريا أكثر من خدمة؛ صارت مرآة كاملة لفشل أو صدق أي خطاب اقتصادي. لأن الناس تستطيع أن تتحمل الفقر فترة، لكنها لا تتحمل بسهولة أن تدفع كثيرًا لخدمة شبه غائبة. في مارس/آذار 2025، نقلت AP أن قطر ستزوّد سوريا يوميًا بمليوني متر مكعب من الغاز لتوليد 400 ميغاواط، وأن وزير الكهرباء السوري قال إن ذلك قد يرفع التغذية الحكومية من ساعتين إلى أربع ساعات يوميًا. وفي أبريل/نيسان 2025، قالت رويترز إن سوريا شهدت انقطاعًا عامًا للكهرباء بسبب أعطال في الشبكة، مؤكدة أن التغذية الحكومية في معظم المناطق لا تزال بحدود ساعتين أو ثلاث ساعات يوميًا، وأن تضرر الشبكة يجعل زيادة التوليد وحدها غير كافية. بمعنى أوضح: حتى حين يوجد جهد سياسي وتمويل وطاقة مستوردة، فإن البنية المتداعية نفسها تمنع الوصول السريع إلى نتائج يشعر بها المواطن في منزله.
الأخطر من قلة الكهرباء هو كلفتها حين تصل. في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نشرت “الشرق الأوسط” تقريرًا عن غضب السوريين من رفع كبير في أسعار الكهرباء، وقالت إن وزارة الطاقة رفعت الأسعار بما لا يقل عن 60 مرة مقارنة بالتعرفة السابقة، ما أحدث صدمة في مجتمع خرج أصلًا من الحرب والعقوبات والفقر. تقارير أخرى خلال أواخر 2025 ومطلع 2026 تحدثت عن شرائح تسعير جديدة رفعت كلفة الاستهلاك المنزلي والتجاري بشكل حاد. هنا لا يعود الموضوع اقتصاديًا محضًا، بل اجتماعيًا وسياسيًا. فالموظف الذي لا يحصل إلا على ساعات محدودة من التيار، ثم يجد أن الفاتورة ارتفعت قفزات هائلة، يشعر بأنه يدفع ثمن الخدمة وثمن غيابها معًا: يدفع للدولة، ثم يدفع للبديل من مولد خاص أو طاقة شمسية إن استطاع، ثم يدفع للمحال والورش التي تنقل كلفة الطاقة إلى أسعار السلع. هكذا تتحول الكهرباء إلى سلسلة ضرائب غير معلنة على الفقير.
وفي هذه النقطة بالذات، تفقد اللغة الرسمية كثيرًا من قدرتها على الإقناع. لأن المواطن حين يسمع عن موازنة جديدة وانفتاح مصرفي ومشاريع طاقة بمليارات الدولارات، ثم يعود لبيت لا تصل إليه الكهرباء إلا قليلًا، أو تصل إليه فاتورة لا تناسب دخله، يبدأ بطرح السؤال الأخطر على أي سلطة: لمن يُصنع هذا التحسن؟ رويترز ذكرت في مايو/أيار 2025 أن سوريا وقعت مذكرة تفاهم بقيمة 7 مليارات دولار مع كونسورتيوم تقوده UCC القطرية لتطوير مشاريع توليد كبرى تشمل أربع محطات غازية بقدرة إجمالية 4000 ميغاواط ومحطة شمسية بقدرة 1000 ميغاواط، وأن هذه المشاريع قد توفر أكثر من 50% من احتياجات سوريا الكهربائية عند اكتمالها خلال أقل من سنتين إلى ثلاث سنوات. لكن رويترز نفسها أوضحت بعد أيام، في 2 يونيو/حزيران 2025، أن هذه الخطة لن تعني كثيرًا إذا لم تستطع دمشق إصلاح الشبكة ومنع سرقة الكابلات والنزف الفني والمالي في البنية التحتية. أي إن الوعد كبير، لكن الطريق إليه مليء بما يمكن أن يفرغه من مضمونه.
وهنا نصل إلى صلب المسألة: الاقتصاد في سوريا الجديدة لا يُستخدم فقط للإصلاح، بل أيضًا لصناعة الشرعية. وهذا ليس اتهامًا بحد ذاته؛ فكل سلطة انتقالية في العالم تحتاج إلى إنجازات معيشية كي تثبت نفسها. لكن في سوريا، بسبب ثقل الذاكرة السياسية، أي نجاح اقتصادي سريع يُقرأ أيضًا كسؤال أخلاقي: هل تريد السلطة أن تُصلح فعلاً، أم أن تستخدم التحسن المعيشي كغطاء لتأجيل الأسئلة الصعبة عن التمثيل والمساءلة وشكل الحكم؟ رفع الرواتب، دعم موظفي الدولة، تخفيف بعض العقوبات، تسديد ديون للبنك الدولي، وعودة الحديث عن استثمارات تركية وخليجية، كلها أدوات تمنح الحكومة صورة “العهد العملي” الذي يعالج ما أفسده الأسد. الاتحاد الأوروبي أعلن في مايو/أيار 2025 أنه سيرفع العقوبات الاقتصادية على سوريا مع إبقاء العقوبات المرتبطة بالأمن والقمع وحقوق الإنسان، موضحًا أن الهدف هو تفادي مزيد من الفقر والتطرف، وأن القرار مشروط بسلوك الحكومة الجديدة. هذا يعني أن العالم أيضًا مستعد لشراء رواية الاستقرار الاقتصادي، لكن بشرط. والسوريون، بطريقتهم، لديهم الشرط نفسه: النتيجة لا الخطاب.
الانفتاح المصرفي يوضح ذلك أكثر من غيره. ففي 7 أبريل/نيسان 2026، قالت رويترز إن تركيا وسوريا تسرعان التعاون بين البنكين المركزيين، وإن محافظ البنك المركزي السوري سيلتقي الجهات التنظيمية المصرفية التركية، مع تحرك بنوك تركية، بينها زراعات بنك وأكتيف بنك، لتأسيس وجود لها في سوريا. رجال الأعمال الذين تحدثت إليهم رويترز قالوا بوضوح إن استعادة الخدمات المصرفية وحل مشكلات الجمارك واللوجستيات أمر أساسي لزيادة التجارة والاستثمار. اقتصاديًا، هذا تطور مهم جدًا؛ فالدولة التي تعود إلى الشبكات المصرفية تعلن أنها تريد الخروج من اقتصاد العزلة والتحويلات الملتوية والسوق السوداء. لكنه بالنسبة للمواطن العادي تطور يبقى فوقيًا إلى أن يلمس أثره: هل سيخفف سعر السلع؟ هل سيخلق وظائف؟ هل سيثبت سعر الصرف؟ هل سيجعل تحويل المال أسهل وأرخص؟ إلى أن يحدث ذلك، سيبقى الانفتاح المصرفي في وعي كثيرين صورة دولة أكثر من كونه واقع معيشة.
المشهد إذن ليس أبيض أو أسود. ليس صحيحًا أن كل ما تفعله الحكومة مجرد دعاية، وليس صحيحًا أيضًا أن كل تحسن معلن يعني أن الأزمة دخلت طور الحل. هناك وقائع جدية: صندوق النقد عاد إلى دمشق، البنك الدولي أُعيد فتح الباب أمامه بعد سداد المتأخرات، الغاز القطري بدأ يذهب إلى محطات الكهرباء عبر الأردن، واتفاقات الطاقة والاستثمار والمصارف تتكاثر، وتركيا ودول الخليج تتصرف على أساس أن سوريا صارت مجددًا ساحة اقتصادية مفتوحة. هذه كلها مؤشرات مهمة على تغير البيئة الاقتصادية والسياسية المحيطة بسوريا. لكن في المقابل، لا تزال نقطة البداية شديدة السوء: فقر واسع، كهرباء شحيحة، جهاز دولة مترهل ويعاد فرزه بعنف، واحتياطيات مالية محدودة، وبنية تحتية تحتاج إلى عشرات المليارات. لذلك فإن أي خطاب رسمي عن التعافي يظل ناقصًا إذا تجاهل الفجوة بين زمن الاستثمار وزمن الجوع اليومي. الأول يقاس بالسنوات، والثاني يقاس بفاتورة هذا الشهر
وهذا بالضبط ما يفسر مزاج الشارع السوري حيال الاقتصاد. الناس ليست ضد الإصلاح، وليست ضد الانفتاح، وليست ضد الاستثمار الخارجي. بالعكس، كثيرون يريدون أي نافذة تخرجهم من زمن الانهيار. لكنهم يريدون أن يروا أثرًا مباشرًا، لا مجرد وعود مؤجلة. في حديث الناس، يتكرر منطق بسيط جدًا: “لا تقول لي في خطة، قل لي: هل خفّ الحمل عن البيت؟”. فإذا تحسن الراتب وبقيت الأسعار تسبقه، فالتحسن ناقص. وإذا زادت ساعات الكهرباء لكن الفاتورة صارت كابوسًا، فالتحسن ناقص. وإذا دخلت البنوك والمستثمرون، لكن الشاب ما يزال بلا عمل والموظف ما يزال يستدين آخر الشهر، فالتحسن ناقص. هذا ليس شعبوية، بل تعريف عملي للشرعية الاقتصادية: أن يشعر الناس أن الحياة صارت أقل إذلالًا، لا فقط أن المؤشرات صارت أجمل.
لذلك، حين يُطرح السؤال: هل يشتري التحسن المعيشي صبر الشارع؟ فالإجابة الأدق هي: نعم، لكن بشروط، ولمدة محدودة. يمكن لأي تحسن ملموس في الأجور والخدمات والكهرباء والسوق أن يمنح السلطة الجديدة فترة سماح. هذا طبيعي في بلد منهك يريد أن يصدق أن غدًا أفضل ممكن. لكن صبر الشارع في سوريا لا يُشترى إلى الأبد، ولا يُشترى بالأرقام وحدها. يُشترى حين يشعر الموظف أن راتبه لم يعد نكتة سوداء، وحين يشعر رب الأسرة أن الكهرباء لم تعد فخًا ماليًا، وحين يشعر الشاب أن الانفتاح المصرفي والاستثماري خلق فرصة حقيقية لا عنوانًا في الأخبار. أما إذا بقيت الموازنة كبيرة على الورق، والراتب صغيرًا في السوق، والكهرباء أغلى من قدرة الناس، فسيكتشف الشارع سريعًا أن الاقتصاد لم يتحول إلى باب خلاص، بل إلى أداة تلميع سياسي لسلطة تريد الوقت أكثر مما تريد التحول الحقيقي.
في النهاية، الاقتصاد في سوريا اليوم ليس مجرد ملف خدمات، بل ساحة الصراع الأكثر حساسية بين السلطة والمجتمع. من جهة، هناك حكومة تحاول أن تقول إنها تعيد بناء الدولة بالأجور والطاقة والمصارف والاستثمار. ومن جهة أخرى، هناك شارع لا يسمع هذا الكلام إلا بقدر ما يراه في حياته اليومية. بين الطرفين تقف أسئلة بسيطة لكنها حاسمة: كم ساعة كهرباء فعلية؟ كم تكفي الرواتب؟ من يتحمل صدمة إعادة هيكلة الدولة؟ ومتى يتحول الانفتاح الخارجي إلى راحة داخلية؟ ما لم تُجب هذه الأسئلة داخل بيوت الناس، لا داخل القاعات الرسمية، سيبقى الاقتصاد في سوريا أداة مزدوجة: وسيلة إصلاح محتملة، وأداة تلميع سياسي في الوقت نفسه.
إعدادك فاتن حسين
