تعددت الأطياف في سوريا، وظل التنوع الثقافي واللغوي عبر التاريخ ميزة للمجتمع، لكنه اليوم يقف أمام اختبار حقيقي في ظل المرحلة الانتقالية. فعلى الرغم من المراسيم التي نصت على حماية هذا التنوع، لا تزال لافتات المؤسسات الحكومية في مناطق الوجود الكردي تتحدث لغة واحدة، متجاهلةً حقوقاً أُقرت على الورق ولم تجد طريقها إلى “المانشيتات” الرسمية.
في ساحة التنوع السوري، يبرز احترام اللغات الوطنية كحجر زاوية لبناء دولة تعددية، لكن المشهد الميداني اليوم يروي قصة مختلفة؛ قصة تهميش واضحة تفرض فيها اللغة العربية سطوتها المنفردة على واجهات المؤسسات، ضاربةً عرض الحائط بالاعتراف الرسمي الأخير باللغة الكردية.
هذا التناقض الصارخ يأتي في وقت كان من المفترض فيه أن يدخل المرسوم رقم ثلاثة عشر، الذي أصدره رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع في منتصف يناير الماضي، حيز التنفيذ. مرسومٌ تعهدت فيه الدولة بحماية الهوية الكردية وإحياء تراثها، بل وذهبت المادة الثالثة منه إلى أبعد من ذلك، حين أقرّت الكردية لغةً وطنية يُسمح بتدريسها في المدارس الحكومية في المناطق التي يشكل الكرد فيها نسبة ملحوظة من السكان كجزء من المناهج الاختيارية أو الأنشطة الثقافية.
بيد أن هذا الإقصاء اللغوي ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد لجرح قديم غائر في الذاكرة الكردية. فمنذ عهد “الأسدين”، الأب والابن، تعرض الكرد لسياسات قيدت حقوقهم، كان أقساها إحصاء عام اثنين وستين وتسعمئة وألف، الذي جرد مئات الآلاف من الكرد جنسيتهم.
آنذاك، رسمت التقارير الأمنية، لا سيما تقرير محمد طلب هلال، ملامح خطة تهدف لتقليص الوجود الكردي في مناطقهم التاريخية بشمال شرق سوريا وعزلهم جغرافياً عن أبناء جلدتهم من الطرف الآخر من الحدود مع تركيا، وهي المعاناة التي استمرت بوجوه مختلفة حتى بعد انطلاق الثورة عام ألفين وأحد عشر، حيث ظل الكرد عرضة للتجاذبات السياسية والوعود التي لم تتجاوز حدود الدعاية.
تُعد هيمنة اللغة العربية اليوم في الدوائر الرسمية وخاصة ما حدث مؤخراً أمام القصر العدلي في الحسكة، انعكاساً لسياسة المركزية الثقافية التي ورثتها المرحلة الحالية عن النظام السابق.
هذه اللافتات الصامتة تحمل في طياتها رسائل سياسية بليغة، فهي تهميش رمزي لهوية إنسانية عميقة، يرى فيها مراقبون وقوداً لتعزيز الفجوات والاحتقان بين مكونات النسيج الوطني الواحد.
أما عن أسباب هذا التعثر، فالعوائق تبدو مركبة، تبدأ من الانقسامات داخل الهيئة الحاكمة الانتقالية نفسها، ولا تنتهي عند ضعف البنية التحتية الإدارية التي تفتقر للآليات التقنية لتطبيق معايير تعدد اللغات. يضاف إلى ذلك تلك “الحساسية الأمنية” المفرطة تجاه الشعب الكردي.
يقف المشروع الوطني الديمقراطي اليوم في مأزق حقيقي، فالتعددية ليست مجرد نصوص قانونية، بل هي ممارسة يومية تبدأ من اسم الدائرة الحكومية وتصل إلى مقاعد الدراسة. ومن دون إرادة سياسية تضمن تطبيق المراسيم بلا مواربة، سيبقى الأمل في وحدة وطنية شاملة معلقاً بين الواقع الملموس والحلم المنشود.
وفي خضم هذه الرمال السياسية المتحركة، يبقى السؤال قائماً: هل ستشهد المرحلة المقبلة في سوريا تحولاً جوهرياً يمنح اللغة الكردية مكانتها المستحقة في قلب مؤسسات الدولة، أم أن سياسة الإقصاء ستبقى هي اللغة الوحيدة التي يتقنها الواقع السوري؟
