المرأةُ.. وثيقةُ الوطن التي تحفظ وتشارك في صناعة إرثه التاريخي بكل جوانبه، ولا تقف عند هذا الحد فحسب، بل تأخذ على عاتقها مرحلةَ إحياء هذا الموروث في كل مرة، لدى الأجيال الناشئة بين يديها عبر الزمان.
هكذا يكتسب الوطنُ مَعانيه من المرأة وفي أمانتها يودِع وجوده.

رغم هذه القيمة الوجودية السامية للمرأة، إلا أنها تعرضت وتتعرض للظلم والإنكار الحقوقي في المجتمعات عبر التاريخ، سواءً بفعل الأنظمة الاجتماعية الأبوية أو الذكورية، التي قست عليها بالعادات والتقاليد البالية أو حتى بفعل الأنظمة السياسية الرأسمالية وترسُّباتها السلبية على كيان ودور المرأة في المجتمع، بفعل التشريعات والذهنية غير المنصفة بحقها.
في الشرق الأوسط تحديداً، تقبعُ النساء تحت ثقل المفاهيم الاجتماعية البليدة والقوانين المُبعدة والمحجِّمة لدورها في قيادة المجتمع، لكن رغمَ سوء الحال هذا فإن المرأة لا تتوانى عن أداء دورها الجوهري وبأكمل وجه في الحفاظ على علاقتها بالوطن.
بمناسبة اليومِ الوطني للمرأة الفلسطينية نعرض لكم هذا الملف الذي يطرح أَوجهاً مختزلةً للأدوار العميقة في النضال الذي قامت به المرأة الفلسطينية نُصرةً لقضيتها الوطنية، إذ بذلت من أجلها المالَ والنفس وفلذةَ الكبد وحملت من أجلها السلاح وعلَّمت ودرست من أجل حفظ إرث وطنها التاريخي أمام مساعي التهميش والإنكار والطمس الذي يواجهه.

كسرتِ المرأة الفلسطينية القيودَ الاجتماعية واقتحمت ساحات النضال دفاعاً عن هويتها الوطنية منذ أن بَدَأ الانتدابُ البريطاني لفلسطين يخطط لهجرة اليهود إلى فلسطين، فكانت النساء على رأس أول تظاهرةٍ في القدس ضد الانتداب في السابع والعشرين من شباط فبراير1920، والتي شارك فيها آنذاك أربعون ألفَ فلسطيني.
في عام 1929 وعندما اندلعت ثورةُ البراق في فلسطين وضعت النساء الفلسطينيات نُصب أعينهن أهمية التنظيم النسائي، وسرعان ما أسَّسن أوّل اتحادٍ نسائيّ شاركت في أولى مؤتمراته ثلاثُمئةِ امرأةٍ من مختلف مناطق فلسطين، وكان من أبرز مُخرجات هذا المؤتمر آنذاك تشكيلُ وفدٍ من أربع عشرة امرأةً منهن، لمقابلة المندوب الساميّ البريطاني والمطالبة بإلغاء وعد بلفور إضافةً إلى تنظيمهن مسيرةً ب 80 سيارةً جابت شوارع القدس، حيث تواجدت القنصليّات الأوروبيّة.
وطوال الفترة الأولى عمل هذا الاتحاد على توسيع قاعدته وتنظيم اللجان وتوحيد الجهود النسائيّة، للعمل على تطوير نضال المرأة الاجتماعيّ والسياسيّ، من أجل مناهضة الانتداب البريطانيّ والوقوف في وجه مخططات الاستيطان، كما شرع ينظم الاجتماعات الدورية السرية في المنازل، من أجل توزيع المهام والأنشطة النضالية على أعضائه.

في البداية اقتصرت أنشطة الاتحاد على جمع التبرّعات وتوزيعها على عائلات الضحايا من المقاتلين الفلسطينيين في جبهات القتال وعائلات المعتقلين، إضافةً إلى جمع الحِليّ والمجوهرات من النساء لشراء الأسلحة والذخيرة للمقاتلين من جهة، وشراء الأراضي حتّى لا تُباع لليهود من جهةٍ أخرى.
عام 1933 نظَّم الاتحاد مسيرةً نسائيةً قدمت ما يمكن اعتباره أسمى رسائل التعايش السلمي المشترك بين مكونات فلسطين، إذ جابت المسيرةُ شوارع القدس إلى أن وصلت إلى مقر مسجد عمر بن الخطاب، حيث اعتلت سيدةٌ مسيحية ولأول مرةٍ في التاريخ منبر المسجد وخطبت، محذرةً مما اعتبرته أهداف الصهيونية في فلسطين وموقف الاستعمار البريطاني منه، مشددةً على ضرورة الكفاح المسلح؛ لتكمل فيما بعد المسيرة طريقها إلى القبر المقدس الذي يحجُّ إليه آلافُ المسيحيين، حيث خطبت هناك سيدةٌ مسلمةٌ استنكرت السياسات البريطانية وتشريعها الهجرة اليهودية.

بعد مرور ما يقارب ثلاث سنواتٍ على تاريخ هذه المسيرة، شاركت المرأة الفلسطينية في الكفاح المسلح، وكانت “فاطمة غزال” أولَ امرأةٍ تفقد حياتها إثر مشاركتها في معركة وادي غزوان بين الفلسطينيين والاستعمار البريطاني آنذاك.
واحدةٌ من أبرز التنظيمات النسوية أيضاً تلك التي لعبت دوراً مهماً في مرحلة اتساع نطاق الكفاح المسلح الفلسطيني ـ خاصةً بعد موافقة الأمم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين عام 1947 إلى دولتين عربيةٍ ويهودية، وتهجير ما يقارب سبعمئة ألف فلسطينيٍّ من أرضه ـ هي فرقة زهرة الأقحوان.

عملت هذه الفرقة النسائية على تزويد المقاتلين الفلسطينيين بالمؤونة والسلاح وتحويل المراكز الاجتماعيّة وبعض الفنادق إلى مستشفياتٍ عسكريّةٍ للطوارئ، كما شاركت بعضٌ منهن في عمليات الدفاع، وقضَين فيها كما حصل أثناءَ مجزرة دير ياسين.
نضال المرأة الفلسطينية بلغ أوجَ تصاعدِهِ عندما حصلت نكسة 1967 التي خسر على إثرها الفلسطينيون مناطق الضفة الغربية وغزة والقدس لصالح إسرائيل، فانضمت أعدادٌ كبيرةٌ من الفلسطينيات إلى العمل المسلح والفدائي.
وأهم إسهامات المرأة الفلسطينية في تلك المرحلة، مشاركتُها في تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية والانضمام إليها، ولعل أبرز القصص البطولية التي قدمتها المرأة الفلسطينية خلال عملها في المنظمة هي مشاركةُ المناضلة ليلى خالد في عملية خطف طائرةٍ بريطانيةٍ من أجل تعريف العالم بالقضية الفلسطينية، واتخذت ليلى حينها اسم الثائرة الفلسطينية شادية أبو غزالة اسماً حركياً لها.
عندما انطلقت المرحلة الأولى للانتفاضة الفلسطينية عام 1987 لعبت النساء الفلسطينيات دوراً بارزاً فيها، إذ لم يكُنَّ يخشَين مواجهة الجيش الإسرائيلي أو إبرازَ دعمهن للقضية الفلسطينية، مما جعل ثُلث ضحايا هذه الانتفاضة من النساء.
نتج عن مشاركة المرأة الفلسطينية في هذه الانتفاضة ارتفاعُ عدد المعتقلات السياسيات اللواتي لم يكُنَّ يتعدين بضعَ مئاتٍ خلال السبعينات، ليرتفع لبضعة آلافٍ خلال الثمانينات.

إلى جانب المشاركة في انتفاضة الحجارة لعبت النساءُ اللائي أصبحن كثيرات منهن مُعيلاتٍ لأسرهن دوراً مهما لبلوغ الاكتفاء الذاتي الاقتصادي، إذ قُمن بإنشاء تعاونياتٍ من أجل توفير كل المواد التي شَحَّ وجودها بسبب العقوبات والحصار.
هذا وشهدت انتفاضة الأقصى أو الانتفاضة الفلسطينية الثانية أولى العمليات الفدائية على يد الثائرة الفلسطينية وفاء إدريس عام 2000 والتي لحقتها عملياتٌ مماثلةٌ في الأعوام التالية للنضال، حتى بلغت أعدادُ الثائرات الفلسطينيات اللاتي قضين خلال هذه الانتفاضة أربعمئة وستين امرأة، فيما تعرضت 900 امرأةٍ للأسر داخل أقبية المعتقلات الإسرائيلية.

لاحقاً في نيسان/أبريل 2022 اقتحم عناصر الجيش الإسرائيلي المسجدَ الأقصى مستخدمين قنابل الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتيّة، مما أدى إلى إصابة ما لا يقلُّ عن مئة وخمسين فلسطينيًا.
رغم ذلك لعبت الفلسطينيات الدورَ المحوري في مقاومة إتمام هذا الاقتحام بالسيطرة، رفضاً منهن لما اعتبرنه تهويد الأقصى والتعدي على تراثهن الديني، فبقيت النساء رغم التهديدات التي طالتهن مُرابطاتٍ مُعتصماتٍ في ساحات المسجد رافضاتٍ للاقتحام الإسرائيلي وإقامة الشعائر الدينية اليهودية داخل أقبيته.

وقبل ذلك عندما حصلت أحداثُ حي الشيخ جراح بالقدس، برزت قصصٌ بطوليةٌ عدة للفلسطينيات اللاتي رفضن تسليمَ بيوتهن لإسرائيل، وعندما أُجبرن على الإخلاء اعتصمن أمامَ الحي في خيام.
عرفاناً بجهود ونضالات المرأة الفلسطينية وتكريماً منه لها أقرَّ مجلس الوزراء الفلسطيني في شهر يوليو/تموز من العام 2019 يوم السدس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول يومًا وطنيًا للمرأة الفلسطينية.
ويعود اختيار المجلس لهذا اليوم إلى رمزية أحداثه التي حصلت في عام 1929، إذ شهد انعقادَ أول مؤتمرٍ نسائيٍّ فلسطيني وبدايةَ رحلة خوض المرأة الفلسطينية غمار الحياة السياسية.
