في عام 1993، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الثالث من أيار/ مايو للاحتفاء باليوم العالمي لحرية الصحافة، بناءً على توصية تقدمت بها منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1991.

منظمة مراسلون بلا حدود تعرف حرية الصحافة بأنها الإمكانية الفعلية للصحفيين، بشكل فردي وجماعي، لاختيار وإنتاج ونشر المعلومات التي تصب في المصلحة العامة، وذلك في استقلال عن التدخل السياسي والاقتصادي والقانوني والاجتماعي، ودون أي تهديدات ضد سلامتهم الجسدية والعقلية.
التاريخ يقف شاهداً على ذلك الإعلان الذي أطلقه نحو ستين صحفياً أفريقياً وتم تبنيه في ويندهوك عاصمة ناميبيا في أيار/مايو عام 1991، حيث دعا الموقعون إلى إحداث اليوم العالمي لحرية الصحافة.
وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على إعلان ويندهوك الذي سعى لتطوير صحافة حرة ومستقلة وتعددية، ما زالت اليونسكو تعتبر يوم الثالث من أيار/ مايو من كل عام فرصة لتذكير الحكومات بضرورة احترام التزامها بحرية الصحافة، ويوما للتأمل بين الإعلاميين حول قضايا حرية الصحافة وأخلاقيات المهنة.

كما أنه لا تزال العلاقة التاريخية بين حرية التقصي عن المعلومات ونقلها وتلقيها من جهة، وبين المنفعة العامة، من جهة أخرى، تحظى بذات القدر من الأهمية.
السنوات الإحدى والثلاثون التي مرت منذ إعلان الأمم المتحدة لم تكون مفروشة بالورود على الصحفيين، فالحكومات والأنظمة الديكتاتورية كانت بالمرصاد في مسألة الحريات ونقل المعلومات والوصول إليها بحرية، ناهيك عن التضييق على الصحفيين، وتهديدهم، وإصدار قوانين ما أنزل الله بها من سلطان، للجم عملهم الصحفي، وهو ما فعله النظام التركي، الذي أقر قانوناً بزعم مكافحة الأخبار المضللة، لكن في حقيقة الأمر فإن القانون يتعارض جذرياً مع مبدأ حرية الرأي والتعبير، وسيقوض حصول الشعب في تركيا على المعلومات والمشاركة في الحياة العامة والحياة السياسية، وفق ما أكدته مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.
النظام التركي لم يكتف باستهداف الصحفيين في تركيا فقط، بل أنه سعى إلى إسكات صوت الحقيقة أكثر من مرة خارج حدوده، ومناطق إقليم شمال وشرق سوريا خير شاهد على ذلك، فكان الصحفي عصام عبد الله الذي فارق الحياة جراء استهداف الطيران التركي لقرية تقل بقل بريف مدينة ديرك/ المالكية، في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2022، مثال حي على ذلك، كما استهدف الطيران التركي المسير سيارة خاصة بقناة تلفزيون المرأة JIN TV على الطريق الواصل بين مدينتي قامشلي وعامودا، في آب/ أغسطس عام 2023، ما أودى بحياة أحد العاملين بالقناة.

التضييق الحكومي هو أحد أهم أسباب تقويض العمل الصحفي، إلى جانب الفلتان الأمني، واندلاع الحروب، وهي سمات بارزة في الشرق الأوسط والمنطقة الحبلى بعوامل أخرى أكثر تعقيداً على الصحفيين.
ففي الحروب تسعى الحكومات لإخفاء الحقائق عن الجمهور داخل البلاد وخارجها، فهكذا فعلت روسيا في حربها في أوكرانيا، وكذلك إيران أثناء تصدي قواتها الأمنية للمتظاهرين المحتجين على مقتل الشابة الكردية جينا أميني، وسبقتهم في ذلك الحكومة السورية مع بداية الأزمة عام 2011.
وتزداد الصعوبات أمام الصحفيين والصحفيات أثناء تغطيتهم للحروب، ويكونون عرضة للاستهداف من قبل القوى المتحاربة، وكذلك يكونون معرضين للاضطهاد والتعذيب والتهديد بالقتل والاختطاف، وهو الذي تعرض له الصحفي سليمان أحمد، على يد سلطات الحزب الديمقراطي الكردستاني منذ أكثر من ستة أشهر، كما تقول وكالة روج للأنباء التي يعمل بها.
التصنيف العالمي لحرية الصحافة، الماضي الذي تصدره منظمة مراسلون بلا حدود، بنسخته الأخيرة العام الماضي بين أن الوضع “خطير للغاية” في واحد وثلاثين بلداً، و”صعب” في اثنين وأربعين، و”إشكالي” في خمسة وخمسين، في حين أنه “جيد” أو “جيد نوعاً ما” في اثنين وخمسين بلداً.
وبعبارة أخرى، فإن ظروف ممارسة العمل الصحفي مُزرية في سبعة بلدان من أصل عشرة، ومرضية في ثلاثة بلدان فقط من أصل عشرة.
وأوضحت المنظمة أن التصنيف العالمي يعكس تقلبات شديدة في الأوضاع، حيث تخلله الكثير من الصعود والهبوط، وهذا الوضع الذي يسوده عدم الاستقرار هو نتاج لتفاقم النهج العدواني الذي تتبعه الأنظمة الحاكمة في العديد من البلدان، ولتزايد العداء تجاه الصحفيين على منصات التواصل الاجتماعي وعلى أرض الواقع أيضاً.
كما أن هذه التقلبات ناجمة عن تعزيز آلة التضليل الإعلامي، التي تنتج المعلومات الكاذبة وتنشرها، بل وتتيح الأدوات اللازمة لصناعة المحتويات الزائفة.
التصنيف أكد ضلوع فاعلين سياسيين في حملات تضليلية واسعة النطاق أو في عمليات دعائية كبيرة في مئة وثمانية عشر بلداً من البلدان التي شملها، موضحاً أن ذلك يحدث بشكل منتظم أو منهجي، إذ يجد المتلقي نفسه تائهاً بين المعلومات الصحيحة والخاطئة، بين الأحداث الحقيقية وتلك المفتعلة، بين الحقائق والترهات، مما يضع الحق في الوصول إلى المعلومات على حافة مستنقع خطير، إذ تسخر إمكانيات غير مسبوقة في صناعة التضليل بغرض تقويض قدرة الفاعلين الإعلاميين الذين يجسدون روح الصحافة النوعية، بل وإضعاف الصحافة برمتها.
وبحسب التصنيف فإن منطقة المغرب العربي والشرق الأوسط تراوح مكانها في مؤخرة تصنيف المناطق الجغرافية الكبرى، باعتبارها المنطقة الأكثر خطورة على سلامة الصحفيين، إذ يعتبر الوضع خطيراً للغاية في أكثر من نصف بلدان هذا الجزء من العالم.

ويُعزى الترتيب المخزي لبعض بلدان المغرب العربي والشرق الأوسط، مثل سوريا صاحبة المركز الخامس والسبعين بعد المئة، واليمن في المركز المئة وثمانية وستين، والعراق في المركز مئة وسبعة وستين، إلى العدد الكبير للصحفيين المفقودين أو الرهائن بالأساس.

كما لا يزال الصحفيون في منطقة آسيا والمحيط الهادئ يرزحون تحت وطأة بعض أسوأ الأنظمة في العالم، كما هو الحال في بورما في المركز مئة وثلاثة وسبعين، والتي أضحت ثاني أكبر سجن للصحفيين في العالم منذ الانقلاب العسكري الذي عصف بالبلاد، أو حتى في أفغانستان في المركز مئة واثنين وخمسين، حيث تستمر ظروف عمل الصحفيين في تدهور مهول بينما أصبح وجود الصحفيات في الحياة العامة منعدماً تماماً، مما يفسر بقاء هذين البلدين في أسفل ترتيب المنطقة.
وكشفت اليونسكو عن زيادة مثيرة للقلق بعدد الصحفيين القتلى في مناطق الصراع العام المنصرم، إذ تبين أرقامها أن عام 2023 كان عاماً دموياً بصورة خاصة بالنسبة إلى الصحفيين الذين يعملون في مناطق النزاعات، إذ تضاعفت تقريباً أعمال القتل مقارنة بالسنوات الثلاث الماضية.
وكانت الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي، أكثر فصل دموي بالنسبة إلى الصحفيين في مناطق النزاع منذ عام 2007 على أقل تقدير، حيث توفي 27 صحفياً.

العام الماضي شهد مقتل خمسة وستين صحفياً، ورغم أنه أقل من العام الذي سبقه والذي قتل فيه ثمانية وثمانون صحفي، إلا أن هذه المآسي إلا قمة الجبل الجليدي حسب توصيف اليونسكو، فقد تعرضت البنى الأساسية لوسائل الإعلام ومكاتبها إلى الهدم وأضرار واسعة النطاق، إلى جانب العديد من أشكال التهديد الأخرى مثل الاعتداءات الجسدية أو الاحتجاز أو مصادرة المعدات أو المنع من الوصول إلى أماكن التغطية.
وقد هربت أيضاً أعداد كبيرة من الصحفيين أو توقفت عن العمل.
واليونسكو هي الوكالة الأممية المكلفة بضمان حرية التعبير وسلامة الصحفيين في جميع أنحاء العالم، وتنسيق خطة عمل الأمم المتحدة بشأن سلامة الصحفيين ومسألة الإفلات من العقاب.
كما أنها تدرب الصحفيين، وتعمل على إذكاء الوعي على صعيد العالم من خلال تنظيم فعاليات سنوية كاليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر.

وتعمل اليونسكو أيضاً على توثيق مختلف أشكال التهديد التي تطال الصحفيين وتحللها، وقد أفادت بوجه خاص في تشرين الثاني/ نوفمبر بحدوث زيادة عالمية مثيرة للقلق في العنف ضد الصحفيين في فترات الانتخابات، إذ وثقت ارتكاب 759 اعتداء في 70 بلداً بين كانون الثاني/ يناير 2019 وحزيران/ يونيو 2022، بما فيها 5 عمليات قتل.

وقد أعربت اليونسكو عن قلقها بصورة خاصة نظراً لأن عام 2024 شهد وسيشهد تنظيم انتخابات في 60 بلداً يدلي فيها أكثر من مليارين وخمسمئة مليون شخص بأصواتهم.
