عندما تشكلت الدول الحديثة في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، لم تحظَ الكثير من شعوب المنطقة بفرصةِ المواطنة الحقيقية التي تمنحها الاعتزازَ بهويتها وثقافتها وحرية ممارسة خصوصياتها، على الرغم من تقديمها قادةً وقيامها بثوراتٍ لنيل الاستقلال من الانتداب الخارجي لبلدانها، لكن عندما تشكلت الأنظمة السياسية لهذه الدول اتبعت نهجاً قومياً في صياغة دستورها وبدأت بممارسة الإبادة وارتكاب المجازر ومحاولات تغييب مميزات التنوع العرقي والثقافي في نطاق الدول التي حكمتها منذ عقود إلى يومنا هذا.
في سوريا والعراق وتركيا وإيران يتركّز على امتداد مساحة 200ألف كم مربع، الوجودُ التاريخي للشعب الكردي الذي انقسم بين حدود هذه الدول فتعرّض لسياسات ممنهجة، للتعريب والفرسنة والتتريك بهدف إقصائه.
في تركيا حيث الوجود الأكبر للكرد بدأ نهج سياسات القمع السياسي والثقافي بعد تأسيس تركيا الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك، إذ مُنع الكرد من التعبير عن هويتهم العرقية والثقافية وحُظر عليهم استخدام اللغة الكردية في المدارس والإعلام، إضافةً إلى سيادة خطاب رسمي يُنكر الوجود الكردي.
عانت مناطق جنوب شرق تركيا حيث غالبية الكرد، من تخلّف اقتصادي وبنية تحتية ضعيفة مقارنة بالمناطق الغربية للبلاد مع تعمّد النظام منع تطوير التعليم والخدمات في تلك المناطق وتضييق الخناق على الأسر الكردية تاركاً إياها عرضة للفقر.
حالةُ القمع واليأس أدت إلى شعورٍ واسع بين الشباب الكرد بالاستياء من إنكار حقوقهم بأساليب قمعية فظّة، مما حضّ بمجموعة من الشباب إلى لعبٍ دور سياسي للدفاع عن حقوقهم ونيل حريتهم على غرار حركاتٍ اندلعت فعلياً في المناطق المجاورة لتركيا وللأسباب نفسها. خاصة وأن تركيا لم تشهد تأسيس أي حزبٍ سياسي كردي من قبل، للدفاع عن حقوق هذا الشعب.
خلال السبعينيات، تأثر الجيل الجديد من الشباب الكردي بـ الأفكار الماركسية-اللينينية، التي ركّزت على ضرورة الكفاح المسلح ضد الظلم الطبقي والوطني، مؤسساً حزب العمال الكردستاني وفقاً لقاعدة التحرر القومي والاشتراكية.
عبد الله أوجلان
يُعدّ عبدالله أوجلان، المولود عام 1949، مؤسّس حزب العمال الكردستاني (PKK) الذي أُسس عام 1978 للمطالبة بحقوق الكرد في تركيا، والعمل على تعزيز الوعي السياسي بالهوية الكردية على المستويين المحلي والدولي. ومنذ عام 1984، اتخذ الحزب طابعًا مسلحًا عقب ما تعرّض له أعضاؤه من تضييق وقمع على يد السلطات.
تحوّل أوجلان إلى رمزٍ للنضال لدى الشعب الكردي، الأمر الذي اعتبرته الدولة التركية تهديدًا لسياساتها، فسعت إلى إضعاف نفوذه والقضاء على دوره بهدف الحدّ من تأثير الحزب، رغم محاولاته المتكررة لدفع القضية الكردية نحو مسار التفاوض والحل السياسي.
وفي عام 1993 أعلن أوجلان وقف إطلاق النار استجابةً لدعوة الرئيس التركي آنذاك تورغوت أوزال، وقد عُرف عنه في تلك المرحلة سعيه الحثيث لترسيخ سلامٍ دائم. غير أنّ اغتيال أوزال وتصفية عدد من الشخصيات المحيطة به تباعًا أدّيا إلى ضياع فرصةٍ تاريخية كان يمكن أن تمهّد لتسوية سلمية.
كما طُرحت آنذاك خريطة طريق لمعالجة القضية الكردية، تضمنت مقترحات للحلّين الدبلوماسي والسياسي، وجرى عرضها ومناقشتها في الأوساط الأوروبية.
وفي سلسلةٍ من خمسة مجلدات بعنوان “بيان الحضارة الديمقراطية”، يسرد أوجلان تفاصيل عملية اعتقاله، ويعرض رؤيته لتحقيق سلامٍ دائم في المنطقة من خلال معالجة القضية الكردية ضمن إطار ما يسميه بنموذج الحلّ الحضاري الديمقراطي.
ويبيّن أوجلان أن ما يصفه بـ”الخط الناتو-جلاديوي” كان عائقاً أمام مسارات السلام والديمقراطية، معتبراً أن دولاً تناصبت العداء تاريخياً – مثل الأتراك واليونانيين ودول المعسكر السوفياتي والغربي – قد تلاقت، بحسب طرحه، في ما عدّه “مؤامرة اعتقاله”. ويرجع ذلك، وفق رؤيته، إلى الأهمية الجيوسياسية لكردستان في سياق مشروع “الشرق الأوسط الكبير” وضرورة إبقائها تحت السيطرة.
في 30 سبتمبر 1998، ناقش الرئيس التركي سليمان ديميريل في اجتماع مجلس الأمن القومي مسألة التدخل في سوريا بسبب وجود عبد الله أوجلان على أراضيها. وفي الأول من أكتوبر، أُطلقت تهديدات رسمية بالتدخل العسكري ضدّ سوريا.
وفي 3 أكتوبر 1998، أطلق حلف شمال الأطلسي (الناتو) مناورات عسكرية واسعة على الحدود السورية. كما أُرسلت بوارج تابعة للبحرية الأمريكية وصواريخ متطورة إلى شرق البحر الأبيض المتوسط قبالة السواحل السورية. وفي السياق ذاته، عززت إسرائيل وجودها العسكري في هضبة الجولان، بينما حشدت تركيا قواتها على امتداد الشريط الحدودي من هاتاي حتى شرناخ، ووضعت قاعدتي ديار بكر وملاطية الجويتين في حالة تأهب قصوى. وتزامن ذلك مع تحركات دبلوماسية مارستها كل من مصر والمملكة العربية السعودية للضغط على دمشق.
وفي 9 أكتوبر 1998، وتحت وطأة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية والتركية، غادر عبد الله أوجلان الأراضي السورية متوجهًا إلى أثينا.
وزير النقل اليوناني السابق وعضو البرلمان عن حزب باسوك، كوستاس بادوفاستي، وجّه دعوة إلى أوجلان لزيارة اليونان، إلا أنه لم يلتقِ به شخصيًا. بدلاً منه، استقبل أوجلان ضابط المخابرات اليوناني الكبير ستافراكاكيس. وفي تقييمه لاحقًا، وصف أوجلان دوره قائلاً: “كان دور إنجلترا في شخص بادوفاستي إخراجي من سوريا وجرّي إلى الفخ اليوناني”.
سعت الولايات المتحدة والناتو إلى مغادرة أوجلان لليونان قبل تقديم طلبه للجوء، فتم نقله إلى موسكو على متن طائرة خاصة أعدتها وزارة الخارجية اليونانية.
في 9 أكتوبر 1998، استقبله رجال الأمن الروس، وتم نقل معلومات عن تحركاته إلى أنقرة. تقدم أوجلان بطلب للجوء السياسي أمام البرلمان الروسي، وفي 4 نوفمبر 1998، وافق المجلس على طلبه بأغلبية 298 صوتًا.
ردُّ فعل الولايات المتحدة كان سريعًا، وأمهل رئيس الوزراء الروسي أوجلان تسعة أيام لمغادرة روسيا. في 12 نوفمبر 1998، توجّه إلى إيطاليا بتدخل رامون مانتوفاني، عضو البرلمان عن الحزب الشيوعي الإيطالي، حيث تم اعتقاله فور وصوله إلى المطار، وظل طلبه للجوء معلقًا بسبب الضغوط الأمريكية والأوروبية.
في 21 نوفمبر 1998، عقدت مادلين أولبرايت اجتماعًا مع الأمين العام لحلف الناتو لمنع دخول أوجلان لأي دولة، وتواصل الرئيس الأمريكي بيل كلينتون مع رئيس الوزراء الإيطالي ماسيمو داليما محذرًا من “ارتكاب خطأ تاريخي”، فيما طالبت وزارة الخارجية الأمريكية بتسليمه سريعًا لتركيا.
في 16 يناير 1999، غادر أوجلان إيطاليا إلى موسكو، لكن روسيا رفضت طلبه للجوء مقابل قروض صندوق النقد الدولي، وطلبت منه المغادرة. وفي 20 يناير، تم نقله إلى بيشكيك، اصمة قرغيزستان، ضد رغبته.
في 28 يناير 1999، أعيد إلى موسكو، حيث حاولت القوات الخاصة الروسية إعادة نقله إلى دمشق، لكنه رفض حفاظًا على حياته. في اليوم التالي، هبط في أثينا على متن طائرة خاصة أحضرها الجنرال المتقاعد ناكساكيس، بسبب شكوكه في العروض الروسية للذهاب إلى لينينغراد أو بوخارست.
في 30 يناير 1999، بعث وزير الخارجية اليوناني تيودوروس بانغالوس برسالة عبر الجنرال المتقاعد ناكساكيس مرحبًا به، مؤكدًا استعداده لمناقشة وضعه القانوني، لكن اللقاء كان مجددًا مع ستافراكاكيس وكالينتريديسل بدلاً من الوزير نفسه.
في منتدى دافوس الاقتصادي في اليوم نفسه، نوقش وضع أوجلان بين رئيس الوزراء الروسي بروميكوف وشركات النفط الأمريكية، فيما أشار الإعلام الروسي إلى “مساومة النفط مقابل أوجلان”، حيث تم الاتفاق على نقل النفط الكازاخستاني إلى روسيا وتوزيع النفط الأذربيجاني عبر تركيا.
في 31 يناير 1999، تم وضع جميع المطارات الأوروبية الدولية في حالة تأهب بعد قرار سري بعدم السماح لهبوط أي طائرة تقل أوجلان. وفي 2 فبراير، تم عرضه للنقل إلى جنوب أفريقيا عبر عملية سرية تنفذها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في مطار نيروبي، حيث استقبله السفير اليوناني.
في 4 فبراير 1999، خطط فريق أمريكي تركي مشترك لاعتراضه، واستمر التصعيد حتى 15 فبراير، حين تم اختطافه من مطار نيروبي وإحضاره إلى تركيا.
حُكم على القائد الكردي بالإعدام في 29 يونيو 1999، وتم لاحقًا تخفيف الحكم إلى السجن المؤبد بعد إلغاء عقوبة الإعدام في تركيا. ويقضي أوجلان حكمه اليوم في سجن جزيرة إمرالي في بحر مرمرة، وهو سجن شديد الحراسة.
منذ ذلك الحين، يعتبر الكرد الخامس عشر من فبراير يومًا أسودا، ويواصل العديد منهم الاحتجاجات والإضرابات مطالبةً بإطلاق سراحه، بعد أكثر من 27 عامًا على اعتقاله.
