تلعب الولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب دورا متناميا في إدارة عدد من الملفات المعقدة في الشرق الأوسط، من غزة إلى سوريا ولبنان والعراق.
وعلى الرغم من أن الحضور الأميركي في المنطقة ليس جديدا، فإن طبيعة هذا الدور تشهد تحولا جوهريا، إذ انتقلت واشنطن من مقاربة تعتمد على إدارة الصراعات من بعيد إلى نهج أكثر مباشرة بهدف التحكم بمسارات الأزمة، وصياغة ترتيبات أمنية وسياسية جديدة تجعلها اللاعب المركزي في رسم مستقبل الإقليم.
ويرى المحلل سيث جيه فرانتزمان في تقرير لمجلة ناشونال أنتريست أن هذا التحول لم يكن خيارا إستراتيجيا مخططا بقدر ما كان استجابة لارتدادات حرب 7 أكتوبر وتداعياتها الإقليمية، التي دفعت واشنطن إلى قلب مسرح الأحداث مرة أخرى رغم رغبتها المعلنة في التركيز على الداخل الأميركي ومواجهة الصين وروسيا.
وفي غزة، تتعامل الإدارة الأميركية مع ملف بالغ الحساسية، يختزل توازنًا هشًا بين ضرورة حماية أمن إسرائيل، ومحاولة تجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، واحتواء تداعيات الحرب على الدول المجاورة.
ولهذا تحولت واشنطن إلى شريك مباشر في جهود تثبيت وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، عبر نشر مستشارين عسكريين قرب الحدود، وإرسال فرق دبلوماسية متخصصة، وتنسيق خطوات لوجستية وإنسانية، بعضها سبق أن تعثر كما حدث مع مشروع الرصيف البحري.
ومع ذلك، فإن عودة الولايات المتحدة بقوة إلى هذا الملف تعكس إدراك البيت الأبيض أن بقاء غزة بلا رؤية واضحة لإعادة الإعمار والحكم سيعيد تفجير الصراع في أي لحظة، ويهدد بتوسيع دائرة المواجهة إلى لبنان وسوريا والعراق.
وأما في سوريا، فقد اتخذت إدارة ترامب خطوة غير مسبوقة عبر استقبال الرئيس السوري أحمد الشرع، في مؤشر على رغبة أميركية بفتح صفحة جديدة تعيد ترتيب التوازنات الإقليمية.
وتعمل واشنطن على تحقيق هدف يتمثل في دمج قوات سوريا الديمقراطية، التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة لسنوات في محاربة داعش، داخل قوات الأمن السورية الجديدة.
ويأتي هذا المسار في وقت تنضم فيه سوريا إلى التحالف الدولي ضد داعش، ما يعزز دور واشنطن في إعادة تشكيل المشهد الأمني شرق الفرات،
وفي العراق، تتعامل واشنطن مع مرحلة جديدة تلي تراجع تهديد داعش. فالسؤال لم يعد مرتبطًا بعدد الجنود الذين ستبقيهم الولايات المتحدة هناك، بل بطبيعة العلاقة الأمنية والسياسية مع بغداد.
وقد كثّفت واشنطن تحركاتها في الفترة التي سبقت الانتخابات العراقية، حيث أجرى وزير الدفاع بيت هيغسث محادثات مع نظيره العراقي، وزار وفد أميركي رفيع بغداد في إطار إعادة تقييم الدور الأميركي.
وما يشغل واشنطن اليوم هو كيفية الحفاظ على نفوذها من دون وجود كثيف على الأرض، خصوصًا مع إعادة نشر القوات الأميركية في إقليم كردستان.
وتراهن إدارة ترامب على أن المحادثات بين حزب العمال الكردستاني وتركيا ستسهم في خفض التوترات في شمال العراق، ما يوفر بيئة أكثر استقرارًا لتقليص الوجود العسكري من دون خسارة النفوذ.
وأما في لبنان، فتخوض الولايات المتحدة أحد أكثر الملفات حساسية، إذ تسعى منذ مطلع العام إلى دفع بيروت نحو اتخاذ خطوات عملية لنزع سلاح حزب الله.
وقد قاد المبعوث الأميركي توم باراك ونائبته مورغان أورتيغاس هذه الجهود خلال الأشهر الماضية، مدعومين بزيارات مسؤولين آخرين من البيت الأبيض.
لكن صعوبة المهمة تتجاوز قدرة الدولة اللبنانية على التنفيذ، فحزب الله يمتلك بنية عسكرية وأمنية متغلغلة في مؤسسات الدولة وقدرة على تعطيل أي مسار يتعارض مع مصالحه.
وفي ظل استمرار إسرائيل في توجيه ضربات دقيقة للحزب، تجد واشنطن نفسها أمام معضلة: فهي لا تريد حربًا جديدة على الحدود الشمالية لإسرائيل، ولا تريد أن يظهر فشلها في نزع سلاح حزب الله كدليل على محدودية نفوذها.
وهذا يعكس حجم التعقيدات التي تواجه الإدارة الأميركية في لبنان، حيث تتداخل الحسابات الإسرائيلية مع الحسابات الإيرانية والسورية الداخلية، في مشهد لا يمكن فصله عن ملفات غزة وسوريا والعراق.
وتتعامل الولايات المتحدة مع هذه الساحات الأربع بوصفها جزءًا من قوس واحد من الأزمات المتشابكة. فسوريا أثّرت على العراق عبر تمدد داعش، والعراق يؤثر على سوريا بفعل نشاط الميليشيات المدعومة من إيران، ولبنان يرتبط مباشرة بمعادلات غزة عبر حزب الله، بينما يتأثر أمن غزة ببنية الردع الإسرائيلية التي تتداخل مع التهديدات القادمة من سوريا ولبنان.
واشنطن تحولت إلى شريك مباشر في جهود تثبيت وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، عبر نشر مستشارين عسكريين قرب الحدود، وإرسال فرق دبلوماسية متخصصة، وتنسيق خطوات لوجستية وإنسانية
ولهذا ترى الإدارة الأميركية أن أي حل في ساحة معينة لا يمكن أن ينجح من دون مقاربة شاملة تشمل الساحات الثلاث الأخرى، وأن غياب التنسيق المتكامل سيعيد إنتاج الصراعات المفتوحة.
وهذا الإدراك دفع واشنطن نحو اعتماد إستراتيجية ارتكزت على ثلاثة مسارات متوازية: إدارة وقف إطلاق النار في غزة، منع التصعيد في لبنان، إعادة هندسة التوازنات الأمنية في سوريا، وإعادة تشكيل العلاقة الأمنية في العراق.
وقد أسهمت هذه المقاربة في تعزيز الحضور الأميركي كقائد إقليمي فعلي، خصوصًا بعد نجاح ترامب في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وإيران، ودفع قطر وتركيا إلى الانخراط في مسار التهدئة في غزة، الأمر الذي منح واشنطن غطاءً أوسع للتحرك.
ومع ذلك، فإن هذا الدور الأميركي المتعاظم يضع الإدارة الأميركية أمام اختبارات صعبة، أبرزها كيفية موازنة الانخراط الخارجي مع الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة، وضرورة الحفاظ على وحدة التوجه داخل مؤسسات الحكم الأميركية، خصوصًا البنتاغون ووزارة الخارجية والبيت الأبيض.
كما تواجه واشنطن تحديا آخر يتمثل في تجنب التحول إلى “الضامن الوحيد” في منطقة مليئة بالجهات المسلحة والدول المتنافسة، إذ قد يؤدي أي خطأ في الحسابات إلى انفجار إقليمي يطيح بكل ما تحقق.
ومع أن إدارة ترامب تسعى إلى تقديم تدخلها بوصفه بداية لمرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي، فإن نجاح هذه الرؤية يتوقف على قدرتها على التحكم بالعديد من الملفات في وقت واحد، وهو أمر يحتاج إلى قدر كبير من التماسك الإستراتيجي والصبر السياسي. فالولايات المتحدة اليوم ليست مجرد وسيط أو قوة ضغط، بل أصبحت اللاعب المركزي الذي تُقاس عليه موازين القوى في المنطقة.
ومن هنا تبدو “إستراتيجية إدارة الأزمات” الأميركية محاولة لاستباق الانهيارات المحتملة في الإقليم، لكنها تبقى مسارا محفوفا بالمخاطر، قد يفتح الباب لمرحلة جديدة إذا نجحت، أو يعمّق دوامة الصراع إذا تعثرت.
المصدر: العرب اللندنية
