ها هي النيجر، تصلها عدوى الانقلابات العسكرية، بعد جارتيها مالي وبوركينا فاسو، لتدخل البلاد بذلك نفقاً مظلماً مع الانقلاب الخامس الذي تشهده منذ استقلالها عن فرنسا في ستينيات القرن العشرين، والذي أنهى كذلك أول حالة تداول سلمي للسلطة في البلد الإفريقي الذي يعد من أفقر الدول حول العالم.
حوصر مقر إقامة الرئيس المنتخب محمد بازوم، من قبل قوات الانقلاب بقيادة الجنرال عبد الرحمن تياني، الذي عيّن نفسه رئيساً للبلاد بعد تأييد الجيش له، وهو ما أكسبه زخماً إضافياً ليصدر قرارات متتالية بتعطيل العمل بالدستور، وإقالة كافة الوزراء، وإيقاف عمل جميع الأحزاب السياسية في البلاد.
الانقلاب قوبل بموجة رفض إقليمي ودولي، ووصلت درجة الرفض إلى التلويح بتدخل عسكري من قبل المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس”، في حال رفض الجيش العودة إلى الثكنات، وإعادة بازوم إلى السلطة مجدداً.
إيكواس، وهي منظمة سياسية واتحاد اقتصادي إقليمي يتكون من خمس عشر دولة، من بينها النيجر، قررت إيقاف كل المساعدات المالية للنيجر، وتعليق المعاملات التجارية معها، وحظر السفر على المشاركين في الانقلاب، وإغلاق حدود البلاد.
إجراءات لاقت ترحيباً كبيراً من الاتحاد الأوروبي، الذي أكد أنه لن يعترف بسلطات الانقلاب، وجمّد بدوره المساعداتِ الماليةَ، وأوقف كذلك كل التعاون في المجال الأمني على الفور وإلى أجل غير مسمى، بحسب مسؤول السياسة الخارجية بالتكتل الأوروبي جوزيب بوريل.
أما فرنسا، فرئيسها إيمانويل ماكرون هدد بأنه لن يتاونى عن استخدام القوة في حال تعرض أي مواطن أو جندي فرنسي أو السفارة الفرنسية للخطر بعد الانقلاب، لا سيما وأنها تعد النيجر امتداداً لأمنها الاستراتيجي، لأنها تحتفظ بعدد من جنودها في عدة قواعد عسكرية هناك، وكانت تستعد لإرسال آخرين بعد رفض تواجدهم في بوركينا فاسو، التي سبقت النيجر بانقلاب في كانون الثاني/ يناير العام الفائت.
والنيجر هي ثالث دولة يتواجد فيها جنود فرنسيون تشهد انقلاباً عسكرياً في السنوات الثلاث الأخيرة بعد مالي وبوركينا فاسو، والبلدين الأخيرين طالبا برحيل القوات الفرنسية المتواجدة على أراضيهما، والتي كانت ضمن قوام قوات برخان المختصة بضرب الجماعات الإرهابية التي تنشط في دول الساحل، وتتخوف باريس أن تحذو النيجر حذو جيرانها، ولذلك يبدو رد الفعل الفرنسي أكثر قوة عن سابقيه.
القلق الفرنسي نابع من أنها قد تخسر عمقها الاستراتيجي في إفريقيا لمصلحة روسيا، ففي مالي وكذلك بوركينا فاسو لم يستنكر الروس عمليات الانقلاب فيها، قبل أن تعلن موسكو بيع أسلحة متطورة لباماكو، وتسمح الأخيرة بانتشار عناصر مجموعة فاغنر المسلحة المحسوبة على روسيا، وهو ما تخشاه باريس أن تفعله نيامي، خاصة وأن قائد فاغنر، يفغيني بريغوجين، بارك انقلاب النيجر، ووصف الأحداث بأنها جزء من حرب الأمة ضد المستعمرين.
وهكذا تدخل النيجر في معمعة حسابات الدول الكبرى على بسط النفوذ في القارة الإفريقية، البلد الذي تغطي الصحراء ثلثي مساحته، وتكثر فيه الأمية بين الأطفال، إلا أنه إلى جانب ذلك يعد الرابع عالمياً في تصدير اليورانيوم، الذي ينير معظم دول العالم، بينما تبقى نيامي وغيرها من مدن النيجر غارقة في الظلام، مع سوء إدارة الموارد التي تعد صفة أساسية في معظم الدول الإفريقية.
وإلى جانب لغة التهديد والوعيد التي واجهها الانقالبيون منذ اليوم الأول من الجيران ومن المجتمع الدولي، برزت جهود مصالحة من قبل الرئيس السابق للنيجر محمد إيسوفو، والرئيس التشادي محمد إدريس ديبي الذي التقى الرئيس محمد بازوم وكذلك الجنرال عبد الرحمن تياني، لعل وعسى يصلان إلى حل سلمي يجنب البلاد ما هو أسوأ.
وهكذا فإن الشعب النيجري المنقسم بين مؤيد للانقلاب ومعارض له، هو الخاسر الأكبر من كل ما يحصل، فأموال المساعدات جمدت، والبلد يحتل المرتبة الأخيرة في مؤشر التنمية البشرية، ويبقى المستقبل مجهولاً ومليئاً بالغموض، في ظل الرفض الدولي والإقليمي من جهة، والتعنت على المواقف من قادة الانقلاب من جهة أخرى.
