منذ الخامس عشر من نيسان/ أبريل الماضي، يعيش السودانيون أياماً ثقال، فالمؤتمنون على أمن البلاد يتقاتلون، غير مكترثين بحياة المدنيين، الذين خرجوا قبل سنوات، ينشدون حكماً مدنياً للبلاد، ويطالبون بإسقاط عمر البشير، الذي حكم البلاد بقبضة من حديد منذ عقود.
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو أو كما يكنى بـ “حميدتي”، هما بطلا المشهد الأكثر سوءاً في السودان في الوقت الراهن، فنزاعهما المسلح، الذي اندلع منذ أسابيع، أودى بحياة مئات المدنيين، الذين لا ناقة لهم ولا جمل في صراع السلطة هذا، السلطة التي ينكر كلا الطرفين رغبته في امتلاكها أو الاستيلاء عليها.
الرغبة العربية الدولية بوأد الخصام بين الشريكين السابقين، وإيقاف مسلسل نزيف الدم السوداني، باءت بالفشل، مع تعنت الجانبين، وتبادل الاتهامات بينهما بشأن عدم الالتزام بالهدن التي أقرت أكثر من مرة، واخترقت كذلك أكثر من مرة.
المبادرات المتعددة، السعودية الأمريكية من جهة، والإفريقية من جهة أخرى، والرامية جميعها لرأب الصدع بين الفرقاء، ذهبت أدراج الرياح، مع وضع العصي في العجلات من قبل طرفي الصراع، اللذين لم يتحرك لهما جفن، على وقع التهديد والوعيد الدولي، بفرض عقوبات عليهما.
البرهان وحميدتي، كلاهما يتهم الآخر بتعطيل الديمقراطية في البلاد، الديمقراطية المعطلة في الواقع منذ انقلاب تشرين الأول/ أكتوبر عام 2021، الذي قاده الجيش ليقلب الطاولة على شركائه المدنيين في مجلس السيادة، الذي أنشأ من أجل قيادة السودان في مرحلة انتقالية غايتها وصول البلاد إلى حكم مدني بعيد عن العسكر.
أما قوى الحرية والتغيير، فهي الحاضر الغائب في الأزمة، وهي كالعالق بين فكي كماشة، إذ سعت عبر علاقاتها مع دول الجوار، لإجلاء المدنيين وإنقاذهم من أتون الحرب الأهلية، التي يدعي كل من البرهان وحميدتي بأنه لم يكن السبّاق في إشعالها.
قوى الحرية والتغيير، وهو تجمّع لقوى سياسية سودانية، تأسس في كانون الثاني/ يناير 2019، طالب الطرفين بالالتزام بإعلان جدة ووقف استهداف المدنيين، لكن كعادة زعماء الحروب، لم تلق نداءات السلام تلك، آذاناً صاغية من قبلهم.
السودان عالق اليوم بين رجلين، “البرهان” و”حميدتي”، رجلين يملكان من السلاح أكثره، ومن النفوذ أعظمه، وبين هذا وذاك، يئن السوداني المستضعف في بلاده، الذي لا يملك من القوة إلا أقلها، ولا من الجلد إلا بعضه، حاله كحال حبة قمح تطحن بين حجري رحى.
