تطوي أفغانستان اليوم عامها الأول تحت حكم حركة طالبان، وهي التي تخلت عن الحكم صاغرة تحت وقع ضربات تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر العام 2001.
أفغانستان أطفأت شمعتها الأولى، وتلاشت مع دخانها معظم المكاسب التي تحصل عليها الأفغان خلال عقدين من الزمن، بعيداً عن طالبان وعناصرها الذين دخلوا العاصمة كابول في مثل هذا اليوم من العام المنصرم، بعد هروب الرئيس أشرف غني من القصر الرئاسي، وفرار الجيش دون قتال أمامهم.
مع استلام طالبان السلطة من جديد، عادت عجلة الزمن إلى الوراء، وتغير واقع البلد مئة وثمانين درجة، إذ توقفت المساعدات الدولية المقدمة للحكومة الأفغانية السابقة، وتراجع تلقائياً الوضع المعيشي للسكان، وكذلك اقتصاد البلاد بعد تجميد معظم الدول الأصول الأفغانية المودعة في الخارج، ليزداد طرداً عدد الأفغان الذين يعيشون تحت خط الفقر بالملايين، ويغرق عدد آخر في الديون للمرة الأولى، فيما اضطرت عائلات مرت في ظروف خانقة إلى الاختيار بين بيع الرضع أو بيع أعضاء جسدية.
مظهر الحمل الوديع الذي ظهر به قادة الحركة مع دخولهم القصر الرئاسي، لم تنخدع به العواصم العالمية، التي رفضت الاعتراف بحكومة طالبان رغم كافة محاولاتها البائسة لاستجداء اعتراف دولي بها.
وسرعان ما ظهر الوجه الحقيقي لعناصر الحركة الذين منعوا بقوة السلاح المظاهرات الرافضة لحكمهم، كما بادروا خارج إطار القضاء بالانتقام من عناصر الشرطة والجيش في الحكومة السابقة، ومن المدنيين المتعاونين مع قوات التحالف، وكذلك من الناشطين في منظمات المجتمع المدني والصحفيين والمثقفين والمفكرين، بحسب تقرير بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان.
كما ذهبت وعود الحركة بعدم دعم الإرهاب ورعاية الإرهابيين أدراج الرياح، حيث أعلنت الولايات المتحدة في الثاني من آب/ أغسطس الجاري عن تصفيتها لزعيم تنظيم القاعدة الإرهابي أيمن الظواهري بطائرة مسيرة بمنزله في العاصمة كابول.
أما أكبر الخاسرين خلال هذا العام فكانت بلا شك المرأة الأفغانية، فرغم وعود طالبان بحفظ كرامتها، وعدم المساس بها، إلا أن الواقع كان مغايراً لذلك تماماً، إذ حرمت المرأة الأفغانية من التعليم وكذلك من التمثيل السياسي، وحتى من الظهور على وسائل الإعلام إلا بملابس محددة من قبل عناصر الحركة.
منظمة العفو الدولية وصفت في تقريرها الصادر في تموز/ يوليو الفائت، ما تعانيه النساء والفتيات الأفغانيات تحت حكم طالبان بـ”الموت البطيء”، إذ انتهكت حقوقهن في التعليم والعمل وحرية التنقل، وكل ذلك أدى بشكل ملحوظ إلى ارتفاع معدلات زواج القاصرات والزواج القسري.
وبعد مضي عام على دخول طالبان للعاصمة الأفغانية كابول، ربما سيخلد مشهد هروب الآلاف من الأفغان نحو مطار العاصمة، وتشبثهم بالطائرات الأمريكية وعجلاتها، كأحد أكثر المشاهد إيلاماً في الذاكرة البشرية.
أفغانستان المثقلة بتاريخ من الصراعات الداخلية، والأزمات السياسية تدخل عامها الثاني تحت راية طالبان، ولا تشير الوقائع الحالية إلى تحسن الأوضاع على المدى القريب أو البعيد، حتى بات ينطبق على أفغانستان قول الشاعر الفلسطيني محمود درويش “عام يذهب وآخر يأتي وكل شيء فيك يزداد سوءاً يا وطني”.
