عندما ترى الظلم الذي يمارسه النظام التركي على الكرد اليوم، تعتقد أنه حديث العهد، أو ربما يمارس ضدهم منذ عقد أو عقدين، ولكن في حقيقة الأمر، فإن الظلم التركي للكرد قديم قدم التاريخ، ويعود لبدايات توسع الدولة العثمانية قبل ستة قرون.

علاقة الكرد مع العثمانيين بدأت خلال فترة حكم سليم الأول، واتسمت بطابع ودي، وغلب عليها المصالح المشتركة بين الطرفين، فالكرد يريدون حماية قراهم وإماراتهم من تمدد الدولة الصفوية القادمة من الشرق، فيما كان سليم الأول يبتغي ضم تلك الأراضي لدولته، خلافاً لسياسة أسلافه الذين انتهجوا سياسة التوسع غرباً في أوروبا الشرقية.

وجرت الرياح كما اشتهتها سفن سليم الأول، عندما أمعن إسماعيل شاه قائد الدولة الصفوية في إذلال أهل العراق، وتبريز، كما أنه لم يبارك لسليم بعد تسلمه مقاليد الحكم في إسطنبول، ما اعتبره السلطان العثماني الشاب عداء معلن يستوجب خوض حرب.
لكن بعد إسطنبول عن تبريز عاصمة الدولة الصفوية، وعدم وجود حلفاء لسليم الأول، دفعه لطلب ود الكرد عن طريق وسيط هو العلامة ملا إدريس البدليسي الذي لعب دوراً كبيراً في استمالتهم إلى جانب الدولة العثمانية في حال وقوع الحرب.
وفي موقعة جالديران التي جرت في الثالث والعشرين من آب/ أغسطس عام 1514، التقى الجيشان الصفوي والعثماني، وآلت الأمور خلال ساعات لمصلحة الأخير، وكان للكرد دور بارز في تحقيق النصر في المعركة في وقت قصير.

انتهت الحرب، ونجح العثمانيون فيما بعد بعقد اتفاقية مع الأمراء الكرد، تتضمن اعتراف الدولة العثمانية بسيادة تلك الإمارات على كردستان وبقاء الحكم الوراثي فيها، بالمقابل تلتزم تلك الإمارات بدفع رسومات سنوية كرمز لتبعيتها للدولة العثمانية، بالإضافة إلى مشاركتها إلى جانب الجيش العثماني في أي معارك يخوضها في المستقبل.
وهكذا انقسمت كردستان -الوطن التاريخي للكرد- لأول مرة في التاريخ، جزء من إماراتها تحت راية الدولة الصفوية، والجزء الآخر تحت راية الدولة العثمانية، قبل أن يكرّس هذا التقسيم عام 1555 باتفاقية “أماسيا” لترسيم الحدود بين الدولتين الصفوية والعثمانية.

التحالف الكردي العثماني لم يدم طويلاً، إذ تعرضت القرى الكردية من جديد لمضايقات الصفويين الذين قويت شوكتهم بعد فترة من معركة جالديران، لكن الكرد لم يتلقوا الحماية من العثمانيين الذين تولى أمرهم سليمان الأول، الذي وصل به الأمر لنقض وعد والده، القاضي ببقاء الحكم الوراثي في الإمارات الكردية، إذ عزل أميراً كردياً وعين شخصاً آخر من غير ورثته في بدليس.
بدليس نفسها تعرضت لمجزرة على يد العثمانيين، الذين تذرع سلطانهم مراد الرابع، بأن أمير بدليس عبدال خان الكردي، صاحب الجاه والمعرفة والثقافة، لم يكن في صفوف مهنئينه الذين قدموا إليه بعيد احتلاله بغداد عام 1639.

ومن هنا بدأ التحالف الهش بين الكرد والعثمانيين بالمضي قدماً نحو الانهيار، وبدأت الإمارات الكردية تصبح فريسة يتنافس عليها العثمانيون والصفويون، وجراء هذا التنافس كان الظلم وهضم الحقوق هو السمة البارزة بين الدولتين.

وفي القرن التاسع عشر، ومع تقلص مساحة الدولة العثمانية في البلقان، كان الكرد الخاسر الأكبر جراء قرارات عثمانية نصت على إلغاء الحكم الذاتي الشكلي الذي كانوا يتمتعون به، ولتتعرض القرى والمدن الكردية منذ ذلك التاريخ لمجازر على يد العثمانيين الذين كانت دولتهم تعيش أيامها الأخيرة في ذلك الحين، ومن بعدها الدولة التركية التي قامت على أنقاض الدولة العثمانية.
الظلم والانتهاكات التركية كانت دافعاً لقيام ثورات كردية عديدة، دعت لنيل الحقوق والتخلص من الحكم التركي، لكن جميعها قوبلت ببطش عسكري كبير، أسفر عن عدد كبير من الضحايا، إلا أن ذلك لم يثن الكرد عن مطالبهم، وما زالوا إلى اليوم مستمرون في نضالهم هذا.
