في سوريا التي لم تخرج بعد من ظلال الحرب الطويلة، تبدو معركة إعادة تشكيل السلطة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، حيث يتصدر المشهد ملف “الدمج السياسي” بين الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا والحكومة الانتقالية، بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً في مستقبل البلاد، لأنه يتعلق بطبيعة النظام السياسي السوري الجديد وما إذا كان سيتجه نحو إعادة إنتاج المركزية القديمة أم نحو نموذج لامركزي وتعددي.
الإدارة الذاتية ترى أن الدمج السياسي يشكّل إطارًا لإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والمناطق ضمن سوريا موحّدة، بعيدًا عن إعادة إنتاج النموذج المركزي التقليدي للدولة السورية. وفي هذا السياق، يمضي المشهد السوري نحو مقاربة وطنية قائمة على الحوار السوري-السوري والتفاهم الداخلي.
من جهتها، تتعامل الحكومة السورية بحذر مع طرح اللامركزية السياسية، إذ يُقدَّم المفهوم بصيغة محدودة لا تعكس تحولًا فعليًا في بنية الدولة. كما أن الوصول إلى تفاهم طويل الأمد يتطلب مسارًا تدريجيًا مدعومًا بإرادة داخلية وضمانات إقليمية ودولية تضمن استدامته.
وفي ظل المعطيات الحالية، تبدو فرص الوصول إلى اتفاق سياسي شامل ما تزال معقدة، لكن الطرفين يدركان في الوقت نفسه أن استمرار القطيعة الكاملة ليس خياراً مستقراً على المدى الطويل. لذلك يُرجّح أن تستمر محاولات التفاوض غير المعلنة للوصول إلى صيغ تدريجية تقوم على التفاهم المرحلي وتبادل المصالح، ريثما تتضح صورة التسوية السورية الشاملة.
وفي المحصلة، فإن ملف الدمج السياسي بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية يمثل اختباراً حقيقياً لشكل سوريا المقبلة: هل ستكون دولة مركزية تعيد إنتاج النموذج القديم، أم دولة أكثر مرونة تستوعب التنوع السياسي والإثني والإداري في البلاد.
