في عمق الزنازين التي غابت عنها الشمس، تُروى فصول لا تُكتب بالحبر، بل بآهات المعذّبين وصمت من غابوا تحت القهر. يقارب العام أن يمرّ على السوريين بعد سقوط نظام بشار الأسد، وما زال صدى التعذيب يدوّي في جدران السجون، يختطف الأرواح بصمت، ويُغيّب الوجوه في عتمة الإخفاء القسري.
المرصد السوري لحقوق الإنسان وثّق خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني حتى تشرين الأول 2025 مقتل تسعةٍ وخمسين شخصًا تحت التعذيب في سجون ومراكز احتجاز تابعة للحكومة السورية الانتقالية، إلى جانب تسجيل عشرات حالات الإخفاء القسري والدفن في مقابر جماعية، في مؤشّر على استمرار الانتهاكات الممنهجة رغم التحولات السياسية التي شهدتها البلاد.
المرصد الحقوقي أوضح أن الضحايا شملت مدنيين وعسكريين سابقين من مختلف المحافظات السورية، بينهم موظفون ومسؤولون محليون لم يشاركوا في أي نشاط سياسي أو عسكري.
حالات القتل تحت التعذيب توزعت بحسب المرصد على محافظات عدّة أبرزها حمص، وحلب، ودمشق، وطرطوس، فيما سُجِّلت أعلى الحوادث في شهري شباط وآب، حيث قضى العشرات نتيجة التعذيب الجسدي والنفسي، والإهمال الطبي، والإعدام الميداني.
المعطيات الحقوقية كشفت أيضاً عن استمرار عمليات الدفن الجماعي لضحايا التعذيب دون علم ذويهم، في مقابر أبرزها “تل النصر” في مدينة حمص.
الانتهاكات لم تقتصر على المعارضين أو المدنيين، إذ شملت أيضًا ضباطًا وعناصر أمن سابقين، بينهم القائد السابق لمطار تفتناز العسكري طارق حبيب إسمندر، الذي فارق الحياة تحت التعذيب في سجون طرطوس غربي البلاد.
المشهد الحقوقي في سوريا ما بعد النظام لا يزال مثقلًا بإرث طويل من الانتهاكات، حيث تُظهر الوقائع استمرار عقلية القمع والإفلات من العقاب، رغم الدعوات المحلية والدولية لفتح ملفات المحاسبة وكشف مصير المفقودين. وتبقى السجون، كما كانت، مرآةً مظلمة لواقع لم يزل يبحث عن عدالةٍ مؤجلة.
