هدأ الحديث عن تشكيل التحالف الثلاثي الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، ما يطرح التساؤلات حول جدية المقترح وهل ثمة نية فعلا لتشكيله أم أن الأمر لا يتجاوز فقاعة التسريبات التي دفعت به إلى الواجهة، وخاصة توقيت طرحه الذي تزامن مع التوتر بين الرياض وأبوظبي حول اليمن قبل أن يختفي هذا الحديث كليا، ما يوحي بأن جهة ما لم تتحمس له أو أنها فوجئت بأن جهة مقابلة تريد استغلال تلك الظرفية لتمريره.
منطقيا، فإن السعودية لا تحتاج إلى هذا التحالف على الأقل الآن، خاصة أن التسريبات وقتها قالت إن التحالف ليس هيكلا فضفاضا بل هو اتفاق دفاعي مشترك ويمثل رد فعل استراتيجيا على تراجع الضمانات الدفاعية الأميركية بالنسبة إلى السعودية وكذلك في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية، والمقصود بها الخطر الإيراني.
لو فكر السعوديون في مظلة إقليمية من خارج المظلة الأميركية لكانوا فكروا بها في فترة الرئيس جو بايدن، الذي قام بسحب منظومات دفاعية أميركية من الخليج ونقلها إلى جنوب شرق آسيا، في وقت كانت المملكة تتعرض لتهديد حقيقي من الحوثيين طال منشآتها النفطية. ما كان يهم بايدن هو ممارسة الضغوط على السعودية، وخاصة على ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وقتها لو تمت الخطوة السعودية بالبحث عن مظلة إقليمية كانت ستكون مقبولة إقليميا ودوليا، وحتى في الداخل الأميركي كانت ستجد تفهما.
لكن الآن الوضع مختلف مع ترامب الذي يتعامل مع أمن السعودية بجدية وفتح الباب أمامها للحصول على منظومات صاروخية متطورة، ولا يمانع في تمكينها من صفقة أف -35 رغم اعتراض إسرائيل. وهذه المرونة لا تعطي مسوغا لإقدامها على الانضواء تحت مظلة تحالف ثلاثي دفاعي تشتري من خلال أسلحة متطورة من باكستان أو تركيا. لو غامرت السعودية بدخول هذا الحلف فسيبدو بالنسبة إلى الأميركيين وكأنه لي ذراع مع ترامب، الرئيس الذي يتسم بالمزاجية وردود الفعل غير المحسوبة.
كذلك لا شيء يبرر مغامرة سعودية بتشكيل تحالف ثلاثي والإنفاق على صفقة أسلحة وازنة من خارج المزود الرئيسي، أي شركات السلاح الأميركية. خلاف السعودية مع ترامب لا يقف عند توفير المنظومات الدفاعية أو توفير الحماية من هجمات إيرانية مفاجئة. هو خلاف غير معلن صحيح، ولكنه معلوم، وهو عدم تحمس القيادة السعودية للحرب على إيران وإرسال إشارات متعددة حتى يفهم الإيرانيون أن المملكة لا تدعم هذه الحرب، وهي تنأى بنفسها عنها.
تشكيل تحالف عسكري إقليمي في هذا التوقيت سيرسل إشارة عكسية تماما، ويظهر السعودية كما لو أنها تتجهز للحرب وأن إشارات النأي بالنفس لا تعدو أن تكون مناورة، ولهذا فإن الرياض لا تبدو متحمسة لدخول هذا التحالف في التوقيت الراهن حتى لا يجرها إلى مشكلة بواجهتين، الأولى مع إدارة ترامب التي لا تقبل أن تحصل السعودية على صفقات سلاح من مربع آخر، ومن دول غير مصنفة كبرى حتى يسمح لها بخرق التفاهمات بين الكبار، والثانية مع إيران، ما يجعل إنشاء التحالف الثلاثي فكرة غير سعودية، وقد تكون الرياض فوجئت بها، ولذلك اكتفت الصمت دون إعلان الموافقة أو النفي.
هناك عنصر آخر محدد لا يجعل السعوديين متحمسين لمثل هذه المبادرة، وهو رغبتهم في تصفير الأزمات الخارجية لبلادهم من خلال فتح قنوات الحوار مع إيران وبناء أرضية تفاهم مع الحوثيين تقوم على فكرة حل الأزمة اليمنية من خلال حوار شامل داخل مكونات الشرعية في مرحلة أولى، وفي مرحلة ثانية بين تلك المكونات وجماعة الحوثي لإقرار توليفة حكم مقبولة من الطرفين وتتيح للملكة الانسحاب الكامل من ورطة الحرب.
وهذا مفهوم لأنها تريد التفرغ لتنفيذ مشاريعها العملاقة التي تضمنها رؤية 2030، وهي مشاريع تحتاج إلى الاستقرار وخاصة إلى استثمار أكثر ما يمكن من عائدات النفط. فهل ستغامر المملكة بدخول تحالف دفاعي يجرها لأزمات أو تشابكات تعرقل مشاريعها الكبرى وخططها للوصول إلى سعودية ما بعد النفط في أفضل حال؟
السعودية قادرة بوزنها الإقليمي على معالجة الأزمات والتحرك بشكل منفرد وهادئ، ولا تحتاج إلى مظلة لتختبئ خلفها وهو ما يدعم فرضية أن تركيا هي من تقف وراء التسريبات التي حصلت عليها بعض وسائل الإعلام الغربية بشأن تشكيل تحالف دفاعي ثلاثي. لماذا تركيا وليس باكستان من يقف وراء التسريب والدفع بفكرة التحالف للاستفادة منه إلى أقصى مستوى.
من المفيد الإشارة هنا إلى أن باكستان لم تبد خلال العقود الماضية رغبة في الزعامة الإقليمية، وكان منتهى دورها في المؤسسات الإسلامية هو الاشتغال تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي (المؤتمر الإسلامي سابقا) جنبا إلى جنب مع السعودية والاستفادة من المساعدات التي تقدمها لها لمواجهة أزماتها الداخلية. ورغم امتلاكها النووي، فلا يظهر على إسلام اباد أي رغبة في إثارة أزمات خارجية وهي تكتفي بإدارة التوتر مع الهند وأفغانستان.
كما أن العضوية في تحالف دفاعي يطوّق إيران قد يعقد علاقات باكستان مع إيران، التي ترى في التحالف تهديداً محتملاً لمصالحها، خاصة مع التوترات الحدودية المستمرة. كما يثير مخاوف الصين، حليفة باكستان الرئيسية، من أي تصعيد مع الهند قد يهدد مشاريعها الاقتصادية مثل ممر الصين – باكستان.
نعود إلى فرضية أن تركيا هي من تدفع إلى تشكيل التحالف الثلاثي وسنجد مسوغات وراء هذه الفرضية تجعل الأتراك أكثر حماسا لدخول قلب الشرق والخليج ضمن تحالف مع دولة مركزية مثل السعودية. ربما يقبل السعوديون في الوقت الحالي بالانفتاح على الأتراك وعقد اتفاقيات دفاعية لشراء مسيرات أو لتوطين صناعة السفن الحربية، لكن على الأرجح، فإنهم لن ينسوا بسهولة المواقف التركية خلال الأزمة مع قطر (2017 -2021) ونزول الأتراك بقوة إلى الدوحة وبناء قاعدة عسكرية واستقدام جنود في تحالف مناهض للمملكة بدرجة أولى.
ورد السعوديون وقتها بتطوير العلاقة العسكرية مع اليونان والمشاركة في مناورة تدريبية مع أثينا قبالة السواحل التركي. فهل من السهل على المملكة، التي تحسب مواقفها بدقة أن تقيم تحالفا مع من كان قبل سنوات قليلة خصما إقليميا وتدخّل في خلاف خليجي كان الجميع يعرف أنه سيحل في البيت الخليجي طال الزمن أو قصر، وهو يكرر الآن نفس الخطوة بالانحياز لطرف على حساب طرف آخر متناسيا حملة الإنقاذ الاستثماري الخليجي لاقتصاد تركي وصل مرحلة كبيرة من التراجع وسط أزمة حادة لليرة وانكماش دور المستثمرين الأجانب وخاصة الخليجيين.
لكن الشكوك السعودية في ماضي العلاقة مع تركيا وصعوبة تشكيل تحالف ذي صبغة دفاعية استراتيجية معها لا تمنعان من الالتقاء الظرفي معها في التعاطي مع ملفات إقليمية مثل الوضع في السودان أو الصومال أو دعم الانتقال السياسي في سوريا، فلكل بلد مصالحه وحساباته، خاصة بالنسبة إلى سوريا التي تمثل أهمية استراتيجية بالنسبة إلى السعودية تماما مثل الأمر لتركيا.
في المحصلة، تبدو فكرة التحالف الثلاثي أقرب إلى اختبار نوايا منها إلى مشروع استراتيجي مكتمل الشروط. فحسابات الرياض المرتبطة بعلاقتها مع إدارة ترامب، وتوازنها الحذر تجاه إيران، وحرصها على إنجاح أولوياتها الاقتصادية، تجعلها أقل ميلاً للمغامرات الدفاعية الثقيلة في هذه المرحلة. كما أن انشغالات إسلام آباد الداخلية، وطموحات أنقرة الإقليمية، يضعان الفكرة في سياق التباين أكثر مما يضعانها في سياق التقاطع. لذلك، قد يبقى هذا “التحالف” عنواناً إعلامياً أكثر منه ضرورة جيوسياسية، إلى أن تتغير المعادلات الكبرى أو تتبدل الأولويات، وهو أمر لا يبدو قريباً في المدى المنظور.
المصدر : العرب اللندنية الكاتب : مختار الدبابي
