يشكل الاتفاق اللبناني الإسرائيلي الموقع برعاية أمريكية محطة مفصلية توصف بالخطرة في مسار الصراع الدبلوماسي والميداني في المنطقة.
يأتي هذا الاتفاق الإطاري كخارطة طريق أمنية بالغة التعقيد، تهدف ظاهرياً إلى إنهاء الأعمال العدائية وتثبيت الاستقرار عبر آليات عسكرية وسياسية محددة.
ومع ذلك، فإن مفاعيل هذا الاتفاق لا تقتصر على البعد الخارجي فحسب، بل تمتد لتلامس البنية الهشة للداخل اللبناني، مما يفتح الباب أمام قراءة أبعاد هذا المسار واستشراف مستقبله.
التوقيع الرسمي على الاتفاق أظهر فجوة واسعة بين الحكومة اللبنانية الرسمية التي قادت المسار الدبلوماسي سعياً لاستعادة الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل وعودة النازحين، وبين حزب الله الذي سارع إلى رفض الاتفاق بالكامل ووصفه بـ “المذل”.
يربط الاتفاق بشكل صارم بين الانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية وبين نجاح الجيش اللبناني في تولي السلطة الفعلية وتفكيك البنية التحتية لحزب الله. تبدو فرص النجاح ضئيلة نتيجة غياب الحزب وهو الفاعل العسكري الأساسي عن طاولة المفاوضات، مما يجعل من شبه المستحيل تطبيق بند حصر السلاح بيد الدولة دون صدام مباشر، وفق مراقبين.
مخاطر الخلافات على الداخل اللبناني
تتجاوز خطورة هذه الانقسامات مجرد التعطيل السياسي إلى التهديد المباشر بالفوضى الأمنية والصراع الداخلي، ومع إصرار الحكومة على تفعيل المناطق التجريبية في الجنوب وتسليمها حصراً للجيش، يرى أنصار حزب الله في هذه الخطوة محاولة لعزل ما تسمى بالمقاومة.
هذا التباين الحاد ينذر باحتمالية انهيار السلم الأهلي، واندلاع مواجهات عسكرية داخلية، فضلاً عن تفاقم أزمة الشلل الدستوري والاقتصادي لبلد يعاني من أزمات متعددة.
الملحق السري ومدى تنفيذه على أرض الواقع
رغم نشر وزارة الخارجية الأمريكية لـ 14 بنداً من الاتفاق الإطاري، كشفت التسريبات الإعلامية عن وجود ملحق أمني سري تم إبقاؤه طي الكتمان بطلب من الحكومة اللبنانية.
ينص هذا الملحق على شروط ميدانية قاسية، أبرزها منح الجيش الإسرائيلي حرية حركة كاملة داخل “الخط الأصفر” للتعامل مع أي تهديدات فورية، فضلاً عن ربط الانسحاب بالتقييم الميداني وليس بجدول زمني محدد.
أما على أرض الواقع، فإن التنفيذ يشهد جموداً وتعثراً كبيراً، إذ أعلنت إسرائيل تأجيل المخطط التجريبي للانسحاب من بعض البلدات الجنوبية، مشترطة التوافق على آليات رقابة صارمة والتحقق التام من نزع سلاح المجموعات المسلحة قبل التراجع عن أي شبر.
وبذلك، تحول الاتفاق على الأرض إلى أداة للمماطلة، وسط استمرار الخروقات والمناوشات الميدانية التي تجعل الورقة الموقعة في واشنطن بعيدة كل البعد عن التطبيق الفعلي والمستدام.
الموقف الإيراني وتأثيره على المسار
يرتبط مسار الاتفاق ارتباطاً وثيقاً بالمفاوضات الموازية التي تخوضها طهران مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ تسعى طهران لاستخدام نفوذها في لبنان كأداة ضغط استراتيجية لحماية مكاسبها الإقليمية، وتطالب بربط أي تفاهمات شاملة بانسحاب إسرائيلي كامل غير مشروط من الجنوب اللبناني.
يرى الجانب الإسرائيلي أن التحركات الإيرانية تهدف لتقويض جوهر الاتفاق الساعي لعزل حزب الله، بينما تحذر طهران من فرض إملاءات تسلب لبنان سيادته وفق قولها، مما يمنح إيران القدرة على تجميد أو تحريك الجبهة اللبنانية وفقاً لمدى تقدم مفاوضاتها مع واشنطن، وعليه يمكن القول إن الاتفاق اللبناني الإسرائيلي يواجه اختباراً عسيراً يهدد بانهياره قبل أن يبصر النور كاملاً.
وفي ظل الشروط القاسية التي فرضها الملحق السري والتعثر الواضح في تطبيق البنود على الأرض، يرى مراقبون أن هذا الاتفاق سيبقى حبراً على ورق يتأرجح بين طموحات الرعاية الأمريكية المفرطة، واستحالة التطبيق الفعلي في بيئة إقليمية ومحلية شديدة الانفجار.
