انقلابٌ جذري طرأ على العلاقات الإيرانية الإسرائيلية، مع استلام الملالي لنظام الحكم في إيران خلال الثمانينات، في المرحلة التي سُميت الثورة الإسلامية، إذ قطعت إيران جميع علاقاتها الرسمية مع إسرائيل، وأَغلقت السفارة الإسرائيلية بطهران، في وقتٍ توجّهت فيه بعضُ دول المنطقة نحو خيار السلام مع إسرائيل، التي حظيت بالدعم الأمريكي والتفوّق العسكري.
إيران لم تكتفِ بعدم الاعتراف بإسرائيل، بل أعلنت العداءَ عليها وعلى أي قوى غربيةٍ تحاول التدخل في الشرق الأوسط، وساعدَ النظامَ الإيراني الجديد في ذلك تشكيلُهُ للحرس الثوري، الذي جمع القوات المحلية الحليفة للملالي، ضد الجيش النظامي في أعقاب تلك المرحلة، ليتوسعَ لاحقاً ويضمَ فصائلَ شيعيةً إقليمية، تتبنى إيديولوجيةَ ولاية الفقيه الخمينية.
في التسعينات أظهرت إيرانُ دعمَها لفصائلَ فلسطينيةٍ مسلحة مثل حماس ضد إسرائيل، وما إن انسحبت منظمةُ التحرير الفلسطينية من لبنان، حتى شدّت إيران على يد حزب الله، الذي نظّم نفوذه في الجنوب اللبناني ضد إسرائيل، أما في العراق المجاور لإيران، وبعد سقوط نظام البعث عام ألفين وثلاثة، فقد فعّل الحرسُ الثوري الإيراني فصائلَ شيعيةً تابعة له في العراق، واتبع الأسلوب نفسه في سوريا بعد عام ألفين وأحد عشر، وكذلك في اليمن.
نفوذ طهران الذي امتدَّ في المنطقة، قرأته بعض القوى الإقليمية على أنه مخططٌ لتنفيذ مشروعٍ يسمى “الهلال الشيعي”، الممتدَّ من اليمن ليعبر إيران نحو العراق وسوريا وصولاً للبنان، فيما تحالفَ مع طهران نظامُ الأسد في سوريا وحزب الله في لبنان وحركتا حماس والجهاد الفلسطينيتين منذ البداية، مشكلةً مع بعضها ما سمي لاحقاً بـ”محور المقاومة”.
إلى جانب دعم وقيادة هذا المحور سياسياً وعسكرياً، لعبت إيران مع الدول الغربية على ملف البرنامج النووي، الذي أطلقته الولايات المتحدة مع إيران عام ألفٍ وتسعمئةٍ وخمسةٍ وسبعين، وسحبت دعمها عنه عندما أُطيح بالشاه الإيراني بعد أربع سنوات.
إيران وكلُ الفصائل التي دعمتها ظلت تشكل تهديداً لإسرائيل، التي لم تنفكَّ عن استهداف قواعد الجيش الإيراني الرسمية منها وغير الرسمية، عندما كانت تقترب من الأهداف الإسرائيلية.
في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام ألفين وثلاثةٍ وعشرين، حسم هجومُ حماس ضد إسرائيل شكلَ المواجهة مع إيران، إذ امتدت الهجماتُ العنيفة لإسرائيل على قطاع غزة للقضاء على حماس إلى العمق اللبناني، حيث أضعفت حزبَ الله باستهداف كاملِ قياداته، وتوجهت إلى مواقع الفصائل التابعة لإيران في سوريا، بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر العام الماضي.
وأسفر عدمُ الاتفاق بين إيران وأمريكا حول البرنامج النووي في عدة جولاتٍ من المفاوضات، إلى حسم إسرائيل بأخذ الصراع مع إيران إلى المواجهة المباشرة، عبر سلسلة ضرباتٍ جويةٍ استهدفت المنشآت النووية، وقياداتٍ عسكريةً وعلماءَ نوويين، لترد إيران على إسرائيل بقصفٍ صاروخي.
وبرعايةٍ أمريكيةٍ توصّل الطرفان إلى وقفٍ لإطلاق النار، لتشهد الأوضاعُ في المرحلة الحالية هدوءًا حذرًا يثير التساؤل، فيما إذا كان المشهد سيذهب نحو إبرام اتفاقٍ نووي، أم نحو تصعيدٍ جديدٍ قد يكون الأعنفَ بين إسرائيل وإيران.
