إيران لاعب رئيسي في الشرق الأوسط لا يمكن تجاهله، لكنها في الوقت ذاته تصرّ على ممارسة فن صناعة الأعداء. فبينما تسعى الدول عادة إلى تحصين مواقعها عبر بناء الجسور وتوسيع دائرة الحلفاء والأصدقاء، اختارت طهران أن تسلك طريقًا مغايرًا، حيث نجحت سياساتها، عبر عقود، في تكريس صورة الدولة التي تزرع العداءات أينما حلت، أكثر مما تبني تحالفات حقيقية قائمة على الندية والاحترام المتبادل. وهذا ما يجعل من إيران حالة استثنائية في المشهد الإقليمي، دولة تملك أوراق قوة معتبرة، لكنها تهدرها في معارك لا تنتهي، وتحوّل محيطها الطبيعي إلى فضاء مليء بالخصومات والشكوك.
التصعيد العسكري الأخير الذي شهدته المنطقة، والمتمثل في الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران، نتاج طبيعي لتراكم الأزمات وفشل المسارات الدبلوماسية، وفي مقدمتها الجمود الذي أصاب المفاوضات النووية. لكن الأخطر من ذلك، هو ما كشفته هذه الجولة من توتر من تداعيات تطال الجميع، خاصة دول الخليج العربي التي وجدت نفسها مجددًا في مرمى نيران صراع هي بمنأى عنه. هنا يبرز السؤال المركزي والأكثر إلحاحًا: هل تدرك القيادة في طهران أن سياساتها الحالية تقودها إلى عزلة متزايدة وخنق اقتصادي وسياسي لا قبل لها به؟ أم أنها تراهن على “فن صناعة الأعداء” كأداة إستراتيجية لتعزيز التماسك الداخلي وابتزاز المجتمع الدولي؟
لقد كانت المواقف الخليجية، التي عبر عنها بوضوح الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، بمثابة قراءة متزنة وحكيمة للمشهد. التأكيد على أن “الحلول العسكرية تعقد الأزمات ولا تحلها” و”توسع رقعتها”، هو إستراتيجية ثابتة لدول المنطقة التي تدرك أن الحرب ليست خيارًا، وأن أي مغامرة عسكرية جديدة ستعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وتهدد مكتسبات تنموية وحضارية استمرت لعقود.
وفي خضم هذا التصعيد المتوقع برز الدور الخليجي كعامل رئيسي في احتواء التوتر وتفادي الانزلاق نحو الهاوية. فلم تقف دول الخليج مكتوفة الأيدي تنتظر ما تسفر عنه الأيام، بل تحركت على أكثر من صعيد. قطر مارست دور الوسيط النشط في تبادل الرسائل بين واشنطن وطهران. الإمارات، ومن خلال علاقاتها المتوازنة، حافظت على قنوات تواصل مفتوحة مع جميع الأطراف. سلطنة عُمان جددت دورها التاريخي كميسر محايد للمفاوضات. والسعودية، إلى جانب بقية دول المجلس، دعمت بقوة كل الجهود الرامية للتهدئة وخفض التصعيد. كانت هذه الجهود الخليجية رسالة واضحة مفادها أن المنطقة ترفض أن تكون ساحة لتصفية الحسابات، وأن الاستقرار والتنمية هما الخيار الإستراتيجي الوحيد. لكن السؤال المقلق: هل وجدت هذه الجهود أذنًا صاغية في الجانب الإيراني؟
لقد تحدث الدكتور قرقاش عن “اتفاق الجنتلمان” غير المكتوب الذي يُفترض أن يحكم العلاقات ويضبط الإيقاع، ويقوم على مبدأ عدم استهداف المصالح الحيوية للدول الأخرى وعدم انتهاك سيادتها. لكن الوقائع على الأرض تثبت أن إيران لم تحترم هذا التفاهم الضمني. فاستهداف قواعد أجنبية أو مصالح لدول خليجية، سواء بشكل مباشر أو عبر وكلائها، يُشكل انتهاكا صارخا للسيادة، ويُفقد أي محاولة لبناء الثقة مصداقيتها. هذه التصرفات هي التي تعزل إيران إقليميّا، وتُبعدها عن فرصة ذهبية لبناء علاقات طبيعية قائمة على الاحترام والمصالح المشتركة مع جيرانها، وتُعمّق حالة الريبة والشكوك حيال نواياها.
إنها بحق “فن صناعة الأعداء” بامتياز. فمنذ عقود، تنتهج إيران سياسات إقليمية تقوم على التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ودعم الميليشيات المسلحة، وتصدير الثورة عبر حدودها. هذه السياسات، التي تُبررها طهران أيديولوجيّا وإستراتيجيّا، أدت إلى نتائج عكسية تماما. فبدلا من بناء منطقة نفوذ تحترمها، صنعت إيران جدارا من العداوات مع محيطها العربي. الأخطر أن هذه العداوات لم تعد تقتصر على الحكومات فقط، بل امتدت إلى عمق المجتمعات والشعوب التي ترى في السلوك الإيراني تهديدا لهويتها وأمنها القومي واستقرارها. صحيح أن “صناعة الأعداء” قد تكون في المدى القصير أداة لتوحيد الصف الداخلي أو التفاوض من موقع قوة، لكنها على المدى البعيد إستراتيجية كارثية تترك ندوبا عميقة يصعب التئامها، وتورث أجيالا من القطيعة والعداء.
وإذا استمر هذا التصعيد على منواله، فإن التداعيات الإقليمية والدولية ستكون وخيمة على الجميع، ولن تسلم منها أي دولة. فتهديد الملاحة الدولية في الخليج ومضيق هرمز سيضرب الاقتصاد العالمي في مقتل، وارتفاع أسعار الطاقة سيكون بمثابة كابوس لدول العالم أجمع، وزعزعة الاستقرار ستفتح الباب أمام قوى التطرف والإرهاب من جديد. ودول الخليج، التي أثبتت للعالم أنها مجتمعات سلام وتنمية وليست مجتمعات حرب، ستكون الأكثر تضررا من أي مغامرة عسكرية تعرّض ملايين المدنيين الأبرياء للخطر. لذلك، فإن الحل الأمثل والأوحد لا يزال يكمن في العودة الجادة إلى طاولة المفاوضات، والالتزام بمبادئ حسن الجوار، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.
لقد أثبتت العقود الماضية أن سياسات إيران القائمة على تصدير الأزمات وصناعة الأعداء لم تجلب لشعبها سوى العزلة والعقوبات وتبديد الثروات. الطريق الآخر ما زال ممهدا، طريق بناء الثقة مع الجيران، والانخراط في نظام إقليمي قائم على التعاون والتنمية، والكف عن استغلال الآخرين كأدوات في صراعاتها. العزلة ليست قدرا محتوما، لكنها ستكون الوجهة الحتمية إذا استمرت طهران في ممارسة “فن صناعة الأعداء”.
ومع التأكد من خبر اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربات الأخيرة، يطرح السؤال نفسه بقوة: هل يمكن أن يشكل رحيل الرمز الأيديولوجي الأكثر تشددا في النظام الإيراني فرصة حقيقية لإعادة ضبط البوصلة الإقليمية لطهران؟ فخامنئي كان خلف كل سياسات “صناعة الأعداء” التي انتهجتها إيران لعقود، بمواقفه المتصلبة ومعاداته المطلقة للتفاهم مع الجيران. رحيله يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول إمكانية انفتاح إيران على محيطها العربي، وتبني سياسات حسن الجوار التي طالما تغنت بها شعارا لكنها خالفتها فعلاً. هل ستستغل الأجنحة البراغماتية في النظام، كتلك التي يمثلها الرئيس مسعود بزشكيان أو علي لاريجاني، هذا الفراغ لدفع إيران نحو مراجعة جذرية لسياساتها الإقليمية، والكف عن اعتبار دول الجوار ساحات لتصفية الحسابات مع الغرب؟ أم أن الصراع على خلافة خامنئي سيلتهم كل شيء، ويعيد إنتاج نفس السياسات تحت قيادة أكثر تشددا تسعى لإثبات شرعيتها بتصعيد المواجهة مع الخارج؟ الجواب على هذا السؤال هو ما سيرسم ملامح الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة.
المصدر : العرب اللندنية الكاتب : محمد الصالحين الهوني
