تمر اليوم الذكرى الثامنة بعد المئة على الإبادة الجماعية للأرمن، المجزرة التي نفذتها الدولة العثمانية بدم بارد، وبشكل ممنهج بقرار من كبار مسؤولي الجيش العثماني إبان الحرب العالمية الأولى.
الحدث أكبر من أن تمهده المقدمات، وأعمق من كل التعابير في اللغة، وربما لو كان هناك وصف أبشع من كلمة “الإبادة” في اللغة لسميت به، كيف لا وهي قضت على قرابة مليون أرمني، وشردت آخرين كثر، لا لشيء، فقط لإرضاء عنجهية القادة العثمانيين، الذين كانوا يتخبطون كالطير المذبوح، إذ رسمت الحرب خط النهاية للدولة التي عاشت عدة قرون.

الأرمن اتفقوا على تاريخ الخامس والعشرين من نيسان/ إبريل عام 1915، كبداية للمجازر التي ارتكبت بحقهم على مدار سنوات، بعدما اقتاد العثمانيون مئات من مثقفي وأعيان الأرمن في القسطنطينية نحو أنقرة، في رحلة لقي معظمهم حتفهم فيها.
أما التطهير العرقي بحق الأرمن على أرض الواقع، بدأ قبل هذا التاريخ بسنوات، وكانت هناك حوادث تشير إلى نية مبيتة للدولة العثمانية بتصفية الأرمن الذين طالبوا مع نهايات القرن التاسع عشر بحكم ذاتي في المناطق التي يستقرون فيها منذ قرون.

وكانت مظاهرات عام 1909 خير دليل على الفكر العثماني الإقصائي، إذ أعقب ذلك قتل الجنود العثمانيين والقوات الموالية لهم أكثر من عشرين ألف أرمني في مدينة أضنة وما حولها.
الباشاوات الثلاثة محمد طلعت باشا، وإسماعيل أنور باشا، وأحمد جمال باشا المكنى بالسفاح، كانوا القادة الفعليين الذين أمروا بإبادة الأرمن، وكانت المرحلة الأولى منها تقضي بقتل الذكور الأرمن، قبل أن تستكمل المرحلة الثانية بتهجير النساء والأطفال والشيوخ سيراً على الأقدام نحو البادية السورية.

وخلال تلك الرحلة تعرض الأرمن للتعذيب بكافة أشكاله، ولعمليات قتل دوري بدم بارد، وتشير بعض الإحصائيات إلى أن الذين هجّروا من ديارهم من الأرمن تجاوز عددهم المليون، لم يبقَ منهم في أفضل الأحوال مئتا ألف، فيما كان الموت في انتظار البقية، إما عطشاً أو جوعاً أو قتلاً على يد العثمانيين.
وهكذا، قُتِل من الأرمن من قُتل، وشُرِّد البقية في عدة دول، واضطر البعض منهم على تغيير دينه، لينجو من الموت على يد أصحاب النفوذ في الدولة العثمانية، على أمل العيش أو البقاء في أماكن إقامتهم.
حجة العثمانيين لتبرير عمليات القتل تلك، كانت أن الأرمن استعدوا لتسهيل هبوط الفرنسيين والبريطانيين في تركيا إبان الحرب العالمية الأولى، وحين لحقت بها خسائر فادحة في المعارك التي جرت في الولايات التي يتواجد فيها الأرمن، ألقت باللوم عليهم، واتهمتهم بالتعاون مع الروس ووصفتهم بأعداء الداخل.
فيما كانت مساعي الدولة العثمانية واضحة في ترسيخ مكانتها وقت الحرب، والتمويل لتتريك الأناضول، وذلك بمصادرة أصول الأرمن المقتولين أو المرحّلين.
وعلى الرغم من أن مصطلح الإبادة الجماعية لم يُصغ حتى عام 1944، إلا أن ما حصل للأرمن على يد العثمانيين يتسق تماماً مع المصطلح، وربما يزيد.
عدم الاعتراف التركي وإنكاره للإبادة، دفع العديد من الناشطين في مجتمعات الشتات الأرمني من أجل الاعتراف الرسمي بالإبادة الجماعية للأرمن، من مختلف الحكومات في جميع أنحاء العالم.

وبعد مرور خمسين عاماً على المذبحة، كانت الأورغواي أول دولة تعترف بحدوث الإبادة الجماعية بحق الأرمن على يد العثمانيين الأتراك، وعلى مدار العقود الماضية حذت حذوها العديد من الدول.
وصوتت برلمانات حوالى ثلاثين دولة على قوانين أو قرارات أو مذكرات تعترف صراحة بالإبادة الأرمنية، من بينها ألمانيا والأرجنتين والنمسا وبلجيكا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا واليونان وإيطاليا ولبنان وروسيا والسويد، وهناك بلدان أخرى تجرّم إنكار الإبادة الأرمنية كسويسرا وقبرص وسلوفاكيا.
وفي عام 2015، أي بعد مرور مئة عام على المجزرة، وصف بابا الفاتيكان فرنسيس ما حدث للأرمن على يد العثمانيين بالإبادة، وذلك خلال قداس احتفالي في كاتدرائية القديس بطرس في روما بمشاركة بطريرك كيليكيا للأرمن الكاثوليك نرسيس بدروس التاسع عشر تارموني، وبحضور رئيس أرمينيا آنذاك سيرج سركيسيان.
الحبر الأعظم استند في وصفه هذا إلى وثيقة موقعة في العام 2000 من البابا يوحنا بولس الثاني وبطريرك الأرمن، ذكرت الوثيقة أن خلال القرن الماضي اجتازتِ البشريةُ ثلاث مآسٍ جماعية وغير مسبوقة، الأولى اعتبرت بشكل كبير كأول إبادة في القرن العشرين ضربت الشعب الأرمني.
كل الدول التي اعترفت وجرّمت الإبادةَ الجماعية أثارت حنق النظام التركي، الذي بدا وكأنه غريق، لكن دون أن يلاقي قشة يتمسك بها للهروب من الحقيقة المؤكدة في وثائق عثمانية، والتي أظهرت نية الدولة وباشاواتها المتعمدة في القضاء على الأرمن وكسر شوكتهم في أراضيهم التي يتواجدون فيها منذ مئات السنين.
أما أرمينيا التي انفصلت عن الاتحاد السوفيتي مطلع تسعينيات القرن الماضي، بنت نصباً تذكارياً في العاصمة يريفان، تستذكر من خلاله ضحايا الإبادة التي قضت على الكثير من الأرمن في زمن غابت فيه العدالةُ لبعض من الوقت.
ومنذ استقلال أرمينيا، تسعى الأخيرة لإثبات الإبادة في المحافل الدولية، وتطلب من النظام التركي الاعتذار العلني عما حدث كإبادة، وليس كما يصفها مسؤولو النظام التركي بأنها حرب أهلية بين أرمن وأتراك في خضم الحرب العالمية الأولى.
هلع النظام التركي من الاعتذار عن جرائم الماضي، تأتي على أساس تخوفه من طلب ذوي الضحايا تعويضات مالية ومعنوية، كما تساوره الشكوك حول اعتذارات أخرى قد تطلب منه من قبل اليونانيين الذين تعرضوا لمذابح لا تقل بشاعة عما تعرض له الأرمن على يد الأتراك.

ومنذ استلام حزب العدالة والتنمية زمام الحكم في تركيا، يسعى لإحياء ما يسميه أمجاد الدولة العثمانية، ولذلك لم يسلم من شره أي من جيران تركيا، وما يحدث في سوريا والعراق وأرمينيا خير دليل على ذلك، وحتى دول الخليج ومصر وليبيا لم تكن بمنأى عن أحلامه التوسعية، ولربما هذا أحد أهم الأسباب التي تمنع رئيس النظام التركي رجب أردوغان من الاعتراف بالإبادة والاعتذار عن ماضي أجداده، فكيف يعتذر عما اقترفوه وهو يحاول جاهداً للعودة إليه.
المتابع لتركيا في العصر الحديث، لا يستغرب مما يتصرفه أردوغان، ومسؤولو النظام وحزب العدالة والتنمية وغيره من الأحزاب ذات التوجه القومي، لأن كل هؤلاء هم من سلالة عشقت القتل دون سبب، أي القتل من أجل القتل، سلالة نفذت أشنع الجرائم، وأفظع المجازر، إنها الدولة العثمانية التي عانى من بطش قادتها جميع القوميات والأديان المختلفة عنها.
