كان لرمال الصحراء في دول الخليج وقع خاص على الولايات المتحدة الأمريكية، مطلع القرن الماضي، خاصّة مع الاكتشافات الأولى للنفط، الذي صار يكنى بالذهب الأسود، ولذلك سارعت إلى عقد اتفاقيات مع معظم الدول الخليجية على أساس استراتيجي، وفي مقدمتها السعودية، وكان لقاء الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت مع الملك السعودي عبد العزيز آل سعود عام 1945 اللبنة الأولى في تلك العلاقة.
العلاقة الاستراتيجية الأمريكية الخليجية النابعة من بعد اقتصادي في المقام الأول، مرت منذ ذلك الحين بعدة أزمات، وكذلك عدة اختبارات، وتغيرت الصورة العامة للمشهد من تبعية دول الخليج لأمريكا، إلى مراعاة مصالحها الخاصة، قبل تنفيذ الطلبات الأمريكية.
الاختبار الحقيقي الأول لعمق العلاقة الاستراتيجية تلك كان احتلال العراق للكويت في آب/ أغسطس عام 1990، إذ شكّل الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الأب تحالفاً دولياً يضم دولاً عربية لإخراج الجيش العراقي من الأراضي الكويتية، بعد رفض رئيس النظام العراقي السابق صدام حسين كافة الدعوات للخروج، الذي أُجبر عليه فيما بعد في شباط/ فبراير عام 1991، على يد ضربات التحالف الدولي بقيادة واشنطن.
التحرك الأمريكي لم يكن مجانياً، إذ كان تحرير الكويت الخطوة الأولى للتواجد الأمريكي العسكري الدائم منذ ذلك الحين في منطقة الخليج وإلى الآن، هذا التواجد الذي جعلها أقرب لإيران وللصين ولروسيا أكثر من أي وقت مضى، ومنحها أفضلية تكتيكية واستراتيجية أخرى، في حال نشوب أي حرب أو نزاع عسكري مع هذه الدول.
التعاون الاقتصادي الذي تطور إلى عسكري توقع الخليجيون أنه سيأتي أكله مرة أخرى، مع تعاظم خطورة الصناعات النووية الإيرانية على الدول الخليجية، ففيما توقع حكام الخليج برد أمريكي حاسم لوقف النشاطات الإيرانية المقلقة بالنسبة لهم، جاءت الرياح بما لم تشتهيه سفنهم، إذ اقتصر رد الفعل الأمريكي والدولي على عقوبات قبل أن ترفع بتوقيع اتفاق مع إيران عام 2015، وحتى عند انسحاب واشنطن من الاتفاق عام 2018، لم يرض ذلك المطامح الخليجية.
وأتت الحرب الروسية الأوكرانية، لتضع النقاط على الحروف بالنسبة لدول الخليج، إذ رفضت كل من السعودية والإمارات طلباً أمريكياً يقضي بزيادة في إنتاج النفط، لتخفيض سعره في السوق العالمية لضرب الاقتصاد الروسي المعتمد على الطاقة.
توجه البلدين اللذين يعدان أحد أكبر المنتجين للنفط في العالم، فاجأ الولايات المتحدة التي كانت تعقد العزم على موافقتهما لكبح جماح روسيا في الحرب، التي أتت تأثيراتها السلبية على العالم أجمع.
وهكذا يبدو أن العلاقة الأمريكية الخليجية التي كانت قائمة على ما يشبه الطاعة العمياء لدول الخليج لواشنطن، تغيرت مع تغيير العواصم الخليجية لسياساتها بعدم الاعتماد على النفط بشكل كامل في اقتصاداتها، بل إيجاد سبل أخرى لرفد الخزينة العامة بالموارد المالية، وهو ما يمنحها الاستقلالية في اتخاذ القرار السيادي، بما يوائم مصالحها ومصالح شعوبها.
