قُبيل أيامٍ من إجراء انتخاباتٍ رئاسيةٍ وبرلمانية في تركيا (14 أيار مايو الجاري) تُوصَف بالمصيرية لجهة اعتبارها استفتاءً شعبياً واسعاً على سياسية التحالف الحاكم الذي يقودُه حزب العدالة والتنمية ورئيسه رجب أردوغان، تتصاعد المخاوفُ لدى معظم الناخبين من إمكانية لجوء النظام الحاكم لتزوير الانتخابات.
وتتعزَّز هذه المخاوفُ أكثر مع التراجع الكبير في شعبية أردوغان ونظامه، بحسب ما تُظهرُه غالبية استطلاعات الرأي التي صدرت من جهاتٍ عديدةٍ بعضُها تابعٌ للنظام التركي أو مُقرّبٌ منه، إلى جانب لغة التخوين والتجريح التي أخذ أردوغان والمحسوبون على نظامه يُكرّرونها بزخمٍ في وجه معارضيهم، وخاصةً المرشح الأبرز لمنافسة أردوغان في سباق الرئاسة، زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو.
وعَقب ظهوره بوضعٍ صحي غير مستقر خلال حملته الانتخابية، استنفر أردوغان كل إمكاناته لإعطاء انطباعٍ مُغايرٍ عمّا يمكن أن يسوء إليه مستقبله السياسي، في وقتٍ يمكن أن يقولَ البعض بحسب الكاتب الصحفي اللبناني عماد الشدياق، “ما الحاجة لانتخاب رئيسٍ ربما يكون مريضاً أو غيرَ قادرٍ على إمساك مسؤولياته كرئيس”، لافتاً إلى إمكانية أن يكون وضع أردوغان الصحي ” من ضمن اللعبة الانتخابية أو الحرب ضد المعارضة لكسب تعاطف الناخبين”، و “ربما لا تصبُّ في صالح أردوغان إن كانت لعبة، لأنها ستؤثر على مزاج الناخب التركي وتدفعُهُ لإعادة الحسابات ما بين انتخاب رئيسٍ قويٍّ وقادر، أو انتخاب رئيسٍ ضعيفٍ أو مريض يعاني من المشاكل الصحية”.
وبمعزلٍ عن وضعه الصحي الذي غدا موضعَ قلقٍ وشكٍّ حتى من قبل الكثيرين من أنصاره، يبدو موقف أردوغان مهزوزاً للغاية في هذه الانتخابات، التي راح يستجدي الناخبين قُبيل إجرائها بطريقة فجّةٍ أقربَ ما تكون استعطافاً شعبوياً ليس له ما يبرره، سوى إدراكِه (أردوغان) لإمكانية خسارته هذه المعركةَ لصالح معارضيه، حيث خاطب أنصارَه بالقول: “أعلم أنَّكم لن تضحوا بي من أجل البصل والبطاطا”، وذلك في إشارةٍ إلى تفاقم النقمة الشعبية على تدني الوضع المعيشي في ظل حكم حزب العدالة والتنمية.
الانتخابات اختبار مصيري لأردوغان

وبحسب الخبير المصري في العلاقات الدولية الدكتور محمد اليمني، فإن “الانتخابات بالنسبة لأردوغان أكون أو لا أكون، والمنافسة فيها شرسةٌ للغاية لعدة أسباب، أوّلها أن أردوغان والمعارضةَ بينهم صراعٌ في كل الاتجاهات، المعارضةُ تلعب على ملفاتٍ مهمةٍ جداً للمواطن التركي، الملف الأول الاقتصادي، فمنذ أكثرَ من سبع سنواتٍ والاقتصاد التركي يعاني، وكذلك الليرة، وبعد الحرب الروسية الأوكرانية دخلت تركيا في ارتفاع التضخم والركود وغلاء الأسعار والمواد الغذائية والعقارات”.
السبب الثاني بحسب اليمني “احتياج أردوغان للفوز بهذه الانتخابات لأنه متورطٌ في انتهاكاتٍ كثيرةٍ داخلياً وخارجياً، لا ننسى احتلالَه سوريا وليبيا والصومال وأطماعه في السودان ودعمه للحركات الإرهابية والمليشيات والمرتزقة في كلٍّ من العراق وسوريا وليبيا”.
سيطرة أردوغان على جميع مفاصل الدولة تمكنه من تزوير الانتخابات
لذلك فإن تزوير السلطاتِ الحاكمة للانتخابات مُتوقَّعٌ بشكلٍ كبير، بحسب اليمني، “لأن أردوغان يسيطر على جميع مفاصل الدولة من جيشٍ وشرطةٍ وقضاء وإعلام والبنك المركزي، لهذا فإن أردوغان سوف يفعل كلَّ شيء، شرعي وغير شرعي لكسب هذه الانتخابات، وجمع الأصوات في صناديق الاقتراع باللغة العاطفية ولغة الدين والتصريحات الرنّانة والوعود الكاذبة”.
ويرى اليمني بأن التزويرَ أمرٌ واقعٌ لا محالة، ويقول إن أردوغان أمام معركة كسر عظم، ومع أن “أردوغان يسيطر على جميع مقومات الانتصار، وأهمُّها المالُ وأجهزة الدولة (الأمن والاستخبارات والقضاء) وتسعون في المئة من الإعلام الحكومي والخاص، فهو غير كافٍ بالنسبة إليه كي يضمن فوزَه على كليجدار أوغلو.
وتتوقع معظم استطلاعات الرأي لكليجدار أوغلو أن يفوز في الجولة الأولى، وما لم يَفُزْ فيها، تشير التوقعات إلى أنه سيفوز في الجولة الثانية بفارق خمس نقاطٍ على الأقل، والبعض يقول عشر نقاط، بسبب رد فعل الشارع الشعبي، بما فيه بعض أنصار أردوغان وأتباعه “الذين سئموا (والكلام لليمني) من أسلوبه الاستفزازي التصعيدي والمتدني، والقول لهؤلاء الأتباع الذين باتوا يقارنون بين “المتوتر” أردوغان و”الهادئ” كليجدار أوغلو”.
ذلك دفع أردوغان إلى المزيد من التصعيد لضمان دعم أنصاره وأتباعه له، وعبر المقولات القومية والدينية والطائفية، وحتى الأخلاقية. ومع أن كمال كليجدار أوغلو حذّر من احتمال لجوء أردوغان إلى فبركة بعض المشاهد المرئية والمسموعة بالاستفادة من الذكاء الاصطناعي بهدف منع الناخبين من التصويت له في آخر لحظة، فلم يتخلَّ الأخيرُ عن نهجه التقليدي في الهجوم على منافسه وحلفائه زعماء أحزاب “تحالف الأمة”، يُضاف إليهم رئيسَا بلديتَي إسطنبول وأنقرة.
ووفقاً لليمني أيضاً، فقد “بات الكذبُ بأعلى درجاته والمبالغة بأقصى حدودها مع تجاوز حدود الأدب السياسي السمةَ الرئيسية لحملة أردوغان الانتخابية، التي لم يَعد لها أي ضوابطَ دستوريةٍ أو قانونيةٍ أو اجتماعية، ما دام يسيطر على الطرف أو الأطراف التي ستحدّد هذه الضوابط، وأهمها المفوضيةُ العليا للانتخابات والمحاكم والأجهزة الأمنية”.
في المقابل يستبعد الكاتب الصحفي اللبناني عماد الشدياق فرضيّة تزوير الانتخابات، ويقول إنه “لا يمكن لأردوغان أو حزبه الحاكم أن يلجأ لبعض الأساليب بشكلٍ واسع، لا شكَّ أن هناك بعض التجاوزات تحصل لكن العينَ ستكون مفتحةً من الجهات الداخلية والخارجية لمراقبة هذه الانتخابات”.
ويضيف الشدياق أن “أردوغان يعتمد على أساليبَ أُخرى غير التزوير لكسب هذه المعركة الخطيرة والأخيرة له”، هو (أردوغان) يلجأ لأسلوب الإغراء، يحاول أن يقدم مفاجآتٍ للناخب التركي من خلال إقامة المشاريع، وإظهار قوته الخارجية القوة النووية لتركيا، رفعُ الحد الأدنى للأجور ومعالجة الشأن الاقتصادي قدر الإمكان”.
الاعتقالات لن تمنع الناخبين من التصويت لتحالف المعارضة

ومن الأساليب الأخرى أيضاً حملةُ الاعتقالات التي طالت عشرات الصحفيين والحقوقيين والناشطين السياسيين المعارضين للنظام التركي، لكن هذه الحملة، يتّفق كلٌّ من اليمني والشدياق على أنها، لن تكون ذاتَ أثرٍ إيجابي يخدم أجندات أردوغان، حيث يقول الشدياق، “إن حملة الاعتقالات للناشطين والصحفيين على العكس يمكن أن تؤدي إلى تراجع بعض الناخبين عن التصويت لأردوغان، لأن الناخبَ التركي ليس ناخباً خائفاً، هو يتحيّن الفرصةَ للبحث عن التغيير”، فيما يعتبر اليمني أن “هذا يعطي لهم (للمعارضين) قوةً لاستكمال المسيرة وطرد أردوغان من الحكم”.
رقابة دولية على الانتخابات
في هذا الإطار تبرز الحاجةُ المُلحة إلى رقابةٍ دولية صارمة على الانتخابات وَفقاً للكثير من الناخبين والسياسيين في تركيا، ولا سيما بعد الكشف عن تجاوزاتٍ وعملياتِ تزويرٍ كبيرة شهدتها انتخاباتٌ سابقةٌ فاز بها حزب العدالة والتنمية، لكن خبيرَ العلاقات الدولية الدكتور محمد اليمني، أكد أن “أردوغان لن يسمح برقابةٍ دوليةٍ وحضور مراقبين من الخارج أبداً، حتى يستفرد بصناديق الانتخابات”، معتبراً أن الانتخابات “لن تُحسم من أوّل جولة، بل تذهب بنا إلى عدّة جولات”.
ويتفق الشدياق مع اليمني أيضاً في استبعاد إمكانية حضور مُراقبين دوليين في الانتخابات، مشيراً إلى أن النظام التركي “يمكن أن يحتجَّ بالسيادة لعدم السماح لهؤلاء بمراقبة الانتخابات”، وتشير مصادرُ دبلوماسيةٌ بحسب الشدياق، إلى أنه “قد يكون هناك تأثيراتٌ من الخارج لصالح أردوغان أو ضده، لكن هذه التأثيرات قد تكون ضعيفةً نظراً لحجم تركيا الكبير”.
ويذهب الصحفي اللبناني إلى أن فوز المعارضة في الانتخابات المقبلة يؤثر على حلفاء النظام الحاليين، “وربما يكون لصالح الولايات المتحدة التي تُريد انكفاءَ تركيا عن المشهد الخارجي خصوصًا في الحرب الأوكرانية”، لذلك فإن “فوزَ المعارضة ستعتبره واشنطن فوزاً لها، والدولُ الأوروبية ستعتبره فوزاً لاقتراب (تركيا) من المحور الأوروبي أكثرَ من المحور الشرقي، لذا فهذه المعركة، معركةٌ إقليميةٌ دولية وليست معركةً داخلية، وهذا يحدد مدى أهمية الانتخابات التركية اليوم”.
أردوغان تلقى عدّة صفعات إحداها من “صانع الملوك”

وتلقّى تحالفُ أردوغان عدّة صفعاتٍ قبل فترةٍ قصيرة من الانتخابات هددت مستقبلَ حكمه بعد عشرين عاماً في السلطة، كانت أولاها حديثاً، الزلزالُ المدمرُ وإخفاقُه في التعامل مع تداعيات تلك الكارثة والاستجابة المناسبة لها، وفقدان المجتمع الدولي الثقةَ في نظام أردوغان جراء تدخّلاته المزعزعة للاستقرار في كثيرٍ من الدول مثل سوريا والعراق وليبيا والنزاع في إقليم آرتساخ، إلى جانب مساعدته روسيا وإيران في الالتفاف على العقوبات الغربية، وإسهام دعمه للطرفين بإذكاء الحرب في أوكرانيا التي باتت أكبرَ تهديدٍ لحلف الناتو، كما اعتبر دعم حزب الشعوب الديمقراطي “حزب اليسار الأخضر حالياً” لتحالف المعارضة من أقسى الصفعات التي وُجِّهت لأردوغان وتحالفه الحاكم.
وبات دعمُ الشعوب الديمقراطي لتحالف المعارضة ومرشحه كمال كليجدار أوغلو بمثابة بيضةِ القبّان التي خلطت آخرَ حسابات أردوغان الانتخابية، لكون حزب الشعوب الذي بات يُعرف بـ”صانع الملوك” حجز موقعاً متقدماً في آخر انتخاباتٍ قبل هذه، حتى رغم التزوير والانتهاكات التي مارسها النظام الحاكم، وصار يحظى بتعاطفٍ داخلي كبير وخارجي أيضاً، ولا سيما بعد انكشاف حقيقة الاتهامات التي درج أردوغان ونظامُهُ على اتهام الحزب وقياداته بها، وحملة الاعتقالات والاستيلاء على البلديات التي كان يُديرُها، كما أن مبادرة “تحالف الأمة” للمعارضة كانت بالأساس الفكرةَ التي يدعو إليها حزب الشعوب الديمقراطي منذ سنوات لاستعادة الديمقراطية التي صادرها نظام العدالة والتنمية وحلفاؤه في تركيا منذ سنواتٍ طويلة.
إعداد: ضياء التمر
