أكثرُ من ثلاثة عشر عاماً على الحرب بسوريا، نتجت عنها إحدى أكبر الأزمات الإنسانية التي يشهدها القرن الحادي والعشرون، فيما دخلت أطراف خارجية على خط الأزمة بل كانت السبب الرئيس في تعميقها، خدمةً لأهدافها الخاصة.
ونتيجة الضعف الذي نخر في جسد سوريا، وفيما يشبه قصص ألف ليلة وليلة، خرجت إلى العلن بقيادة الثالوث، روسيا وتركيا وإيران، محادثاتٌ ما تعرف بصيغة آستانا حول سوريا. وكان ذلك مطلع عام 2017 . الدول الثلاث قالت إنها ستعمل على وضع حل للصراع بسوريا…. هذا كان ظاهرياً، لكن ما خفي أن الأمر كان وسيلة لتحقيق مصالح هذه الدول على حساب مصالح الشعب السوري.
اثنان وعشرون اجتماعاً فاشلاً في آستانا حتى الآن، لم يترك أي مجال للشك بأن الأطراف المجتمعة…الدول الثلاث والحكومة السورية وما تسمى بالمعارضة، لم تبحث في أي حلقة من سلسلة آستانا عن إيجاد حل سياسي في سوريا، وإنما كان البحثُ جارٍ على قدم وساق عن صفقات ومقايضات، والباصات الخضر وتدمير الغوطة وحلب ونهبها واحتلال عفرين ورأس العين/ سري كانيه وتل أبيض/ كري سبي، شواهد على اتفاقات وقعت برعاية آستانا وأخواتها.
وبحسب مراقبين فإن روسيا خططت للتفرد بالملف السوري ورأت في الحكومة السورية موطئ قدم لها في مجابهة النفوذ الأمريكي، فشكلت قاعدة حميميم العسكرية في اللاذقية على ساحل البحر المتوسط وأصبح لها الكلمة الفصل في سوريا سياسيا وعسكريا واقتصاديا… هذا من جهة ومن جهة ثانية تسعى روسيا لتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار عبر استخدام أموال الدول المانحة التي تقدمها المساعدات الإنسانية، قبل المضي في الحل السياسي وفق قرار الأمم المتحدة اثنين وعشرين أربعة وخمسين 2254.
في المقابل تغلغلت إيران وقامت بتصدير إيديولوجيتها إلى البلدان المجاورة ومن بينها سوريا، لاستكمال ما يسمى “الهلال الشيعي” وترى نفسها مؤهلةً لتعويض تراجع روسيا في سوريا حيث انشغلت الأخيرة بحربها مع أوكرانيا، وحاولت وما تزال ممارسةَ دور الوصي على الحكومة السورية.
المستنقع الذي أوجدته تركيا في شمال غرب سوريا عبر دعمها لعناصر فصائل مسلحة تحولوا إلى مرتزقة فيما بعد، كان بداية لقضم المزيد من الأراضي السورية واحتلالها دون أي اعتراض من الجانبين الروسي والإيراني، فقد اتفق الجميعُ على ضرب مشروع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا.
في الواقع فشلت جميعُ مسارات آستانا في تحقيق الحل بسوريا، وما جرى خلال السنوات الماضية أشبه بتقاسم الكعكة بما يلبي مصالحَ موسكو وأنقرة وطهران وليست مصلحة السوريين. فيما يقول مراقبون إن على دمشق أن تتوقف عن اجتماعاتها مع أطراف خارجية، وتدعو كافة الأطراف السورية للجلوس على طاولة الحوار، إذا كانت بالفعل جادةً كما تقول بإنهاء الأزمة، وهو ما يستدعي منها بداية الاعتراف بأن سوريا لن تعود كما كانت عليه قبل العام ألفين وأحد عشر، كنقطة انطلاق نحو الحل.
