ثلاثة عشر عاماً على بدء الحراك الشعبي في سوريا، الذي انطلق في الخامس عشر من آذار مارس عام ألفين وأحد عشر، ضد عقود من هيمنة حزب البعث بزعامة عائلة الأسد على السلطة، ونهب مقدرات البلاد ومصادرة حرية وأرزاق العباد.

هيمنة كرستها المصالح المتقاطعة للعديد من الأطراف الإقليمية والدولية، التي أجادت السلطات الحاكمة اللعب على تناقضاتها، مستفيدة من الواقع الإستراتيجي لسوريا جغرافياً وسياسياً، فظلت ممسكة بزمام السلطة من كافة جوانبها، وقابلت أي محاولة لتغيير هذا الواقع بالحديد والنار.
لكن آلة القمع تلك لم تلجم المد الشعبي السلمي، الذي انفجر في وجه عقود من منظومة الحكم الشمولي، مطالباً بالحرية والتغيير الشامل، قبل أن تتدخّل أطراف إقليمية ودولية، عملت على إفشال الاحتجاجات وحرفها عن مسارها السلمي، ليتحوّل ما بدأ بثورة شعبية، إلى أزمةٍ متفاقمة، من أشكالها الاحتلالُ والتطرّف والإرهاب، ومن نتائجها ملايين الضحايا للقتل والتعذيب والاعتقال والخطف والفَقر والجهل والتهجير.
ورغم الزخم الكبير للاحتجاجات الشعبية السلمية، لم تستطع حماية نفسها من الاختراق الموجه تبعاً للأجندات الخارجية، مع انكفاء الشخصيات والأطراف التي كان من الممكن أن تعيد ضبط بوصلة الحَراك، وتشكيل قيادة توجّه مساره، وتنأى به عن أن يكون أداةً لتنفيذ مشاريعَ خارجية.
ارتهان معظم الأطراف التي تدعي معارضة السلطة للخارج، وتحولها لأدوات أسهمت في احتلال مساحات واسعة من الأراضي السورية وتهجير سكانها، وزيادة الانقسام بين مكوناتها، إلى جانب التدخلات الخارجية المتزايدة وتناقض مشاريعها ومصالحها، أدى بالأزمة السورية إلى مزيد من التعقيد وحوّلها إلى واحدةٍ من أسوأ الكوارث الإنسانية.
كل تلك الكوارث والمآسي التي وصل إليها السوريون اليوم، وبعد عديد المؤتمرات والمسارات المزعومة لحل الأزمة، يتحمّل المجتمع الدولي المسؤولية الأخلاقية والقانونية عنها، كونه لم يرعَ أيَّ حلٍّ حقيقيٍّ للأزمة، ولم يلتزم أو يلزم أطراف النزاع ومن وراءهم بتنفيذ أيِّ مبادرةٍ للحل، بما في ذلك القرارُ الأممي اثنان وعشرون أربعة وخمسون، الخاصّ بالتسوية.

وأخطر التداعيات وأكثرها كارثية على السوريين، كانت احتلال تركيا لمناطق واسعة في الشمال السوري وتهجير سكانها الأصليين قسراً منها، وما تبعه من جرائم وانتهاكات لا حصر لها، تشمل بحسب تقارير المنظمات الحقوقية ومنها العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، جرائمَ حربٍ وجرائمَ ضد الإنسانية.
تشعبت القضية السورية وتعرضت لانتكاسات سياسية وإنسانية وأمنية كبيرة، بعد تعدد الفصائل والتنظيمات الإرهابية المنفصلة عن جوهر حراك السوريين ومطالبهم بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، حيث ظهرت تشكيلات عديدة بمسميات مختلفة، كان معظمها وما يزال حِراباً مغروسة في خواصر السوريين.

بعد هزيمة تنظيم داعش الإرهابي عام ألفين وتسعة عشر أمام قوات سوريا الديمقراطية، بات الاحتلال التركي والفصائل الإرهابية التابعة لهم، أخطر ما يهدد وحدة سوريا الجغرافية والاجتماعية، والعائق الأكبر أمام إمكانية إيجاد أي حل للمأساة السورية المستمرة منذ ثلاثة عشر عاماً، بحيث لا يمكن تصور أي شكل للحل قبل إنهاء الاحتلال وزوال أدواته.
أما الوجه الآخر للثورة فارتسمت ملامحه وبانت آثاره في مناطق شمال شرق سوريا، التي استطاعت مكوناتها بناء نظام مجتمعي وإداري وسياسي وعسكري، متمثل بالإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية، الذين قادوا جهوداً لحل الأزمة، بالتزامن مع الحرب في مواجهة الاحتلال التركي والإرهاب.
نضوج الوعي السياسي بحساسية هذه المرحلة، والنجاح التنظيمي الكبير في عمل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، كان لمجلس سوريا الديمقراطية الدور الأكبر في تحقيقه، من خلال رؤية مسد لحل الأزمة، وآلية إنجاز هذه الحل عبر الحوار السوري السوري الذي يشمل جميع الأطراف السورية غير المرتبطة بالأجندات الخارجية.

ومع كل المصاعب والمنعرجات الدقيقة التي مرت بها الأزمة السورية، ما يزال معظم السوريين الذين هتفوا للحرية والعدالة وطالبوا بالتغيير السلمي، ولم ينجرفوا بتيار الأجندات الخارجية والعسكرة، متمسكين بمطالبهم ومصرّين على تحقيق أهدافهم.
اليوم وبعد مرور ثلاثة عشر عاماً على انطلاق الحراك السلمي الذي تحول إلى أزمة مدمرة في سوريا، بات السوريون جميعهم مؤمنين بأن لا حلول جاهزة لقضيتهم، وأن السبيل هو التوافق الداخلي على خارطة طريق وطنية لإعادة بناء الدولة السورية، وفقاً لمبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية، وبعد إنهاء الاحتلال التركي وكافة التدخلات الخارجية.
